الشوكاني
218
فتح القدير
عنه يلزمه أن يكون قاعدا عن الطلب ، وقيل إن من شأن المذموم المخذول أن يقعد نادما مفكرا على ما فرط منه فالقعود على هذا حقيقة ، وانتصاب ( مذموما مخذولا ) على خبرية تقعد أو على الحال : أي فتصير جامعا بين الأمرين الذم لك من الله ومن ملائكته ، ومن صالحي عباده ، والخذلان لك منه سبحانه ، أو حال كونك جامعا بين الأمرين . ثم لما ذكر ما هو الركن الأعظم وهو التوحيد أتبعه سائر الشعائر والشرائع فقال ( وقضى ربك ) أي أمر أمرا جزما ، وحكما قطعا ، وحتما مبرما ( أن لا تعبدوا ) أي بأن لا تعبدوا ، فتكون أن ناصبة ، ويجوز أن تكون مفسرة ولا نهى . وقرئ " ووصى ربك " أي وصى عباده بعبادته وحده . ثم أردفه بالأمر ببر الوالدين فقال ( وبالوالدين احسانا ) أي وقضى بأن تحسنوا بالوالدين إحسانا ، أو وأحسنوا بهما إحسانا ، ولا يجوز أن يتعلق بالوالدين بإحسانا ، لأن المصدر لا يتقدم عليه ما هو متعلق به . قيل ووجه ذكر الإحسان إلى الوالدين بعد عبادة الله سبحانه أنهما السبب الظاهر في وجود المتولد بينهما ، وفى جعل الإحسان إلى الأبوين قرينا لتوحيد الله وعبادته من الإعلان بتأكد حقهما والعناية بشأنهما مالا يخفى ، وهكذا جعل سبحانه في آية أخرى شكرهما مقترنا بشكره فقال - أن اشكر لي ولوالديك - ثم خص سبحانه حالة الكبر بالذكر لكونها إلى البر من الولد أحوج من غيرها فقال ( إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما ) إما مركبة من إن الشرطية وما الإبهامية لتأكيد معنى الشرط ثم أدخلت نون التوكيد في الفعل لزيادة التقرير كأنه قيل : إن هذا الشرط مما سيقع البتة عادة . قال النحويون : إن الشرط يشبه النهي من حيث الجزم وعدم الثبوت ، فلهذا صح دخول النون المؤكدة عليه . وقرأ حمزة والكسائي " يبلغان " قال الفراء : ثنى لأن الوالدين قد ذكرا قبله فصار الفعل على عددهما ، ثم قال ( أحدهما أو كلاهما ) على الاستئناف ، وأما على قراءة " يبلغن " فأحدهما فاعل بالاستقلال وقوله " أو كلاهما " فاعل أيضا لكن لا بالاستقلال بل بتبعية العطف ، والأولى أن يكون أحدهما على قراءة " يبلغان " بدل من الضمير الراجع إلى الوالدين في الفعل ويكون كلاهما عطفا على البدل ، ولا يصح جعل كلاهما تأكيدا للضمير لاستلزام العطف المشاركة ، ومعنى عندك في كنفك وكفالتك ، وتوحيد الضمير في عندك ولا تقل وما بعدهما للإشعار بأن كل قرد من الأفراد منهي بما فيه النهي ، ومأمور بما فيه الأمر ، ومعنى ( فلا تقل لهما أف ) لا تقل لواحد منهما في حالتي الاجتماع والانفراد ، وليس المراد حالة الاجتماع فقط ، وفى أف لغات : ضم الهمزة مع الحركات الثلاث في الفاء ، وبالتنوين وعدمه ، وبكسر الهمز والفاء بلا تنوين ، وأفي ممالا ، وأفة بالهاء . قال الفراء : تقول العرب فلان يتأفف من ريح وجدها : أي يقول أف أف . وقال الأصمعي : الأف وسخ الأذن ، والثف وسخ الأظفار ، يقال ذلك عند استقذار الشئ ثم كثر حتى استعملوه في كل ما يتأذون به ، وروى ثعلب عن ابن الأعرابي أن الأفف الضجر . وقال القتيبي : أصله أنه إذا سقط عليه تراب ونحوه نفخ فيه ليزيله ، فالصوت الحاصل عند تلك النفخة هو قول القائل أف ، ثم توسعوا فذكروه عند كل مكروه يصل إليهم . وقال الزجاج : معناه النتن . وقال أبو عمرو بن العلاء : الأف وسخ بين الأظفار والثف قلامتها . والحاصل أنه اسم فعل ينبئ عن التضجر والاستثقال ، أو صوت ينبئ عن ذلك ، فنهى الولد عن أن يظهر منه ما يدل على التضجر من أبويه أو الاستثقال لهما ، وبهذا النهي يفهم النهي عن سائر ما يؤذيها بفحوى الخطاب أو بلحنه كما هو متقرر في الأصول ( ولا تنهرهما ) النهر : الزجر والغلظة ، يقال نهره وانتهره : إذا استقبله بكلام يزجره . قال الزجاج : معناه لا تكلمهما ضجرا صائحا في وجوههما ( وقل لهما ) بدل التأفيف والنهر ( قولا كريما ) أي لينا لطيفا أحسن ما يمكن التعبير عنه من لطف القول وكرامته مع التأدب والحياء والاحتشام ( واخفض لها جناح الذل من الرحمة ) ذكر القفال في معنى خفض الجناح وجهين : الأول أن الطائر