الشوكاني
201
فتح القدير
قول تنطق به ألسنتكم من غير حجة ، ويجوز أن تكون ما موصولة والكذب منتصب بتصف : أي لا تقولوا للذي تصف ألسنتكم الكذب فيه ( هذا حلال وهذا حرام ) فحذف لفظة فيه لكونه معلوما ، فيكون قوله هذا حلال وهذا حرام بدلا من الكذب . ويجوز أن يكون في الكلام حذف بتقدير القول : أي ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم فتقول هذا حلال وهذا حرام ، أو قائلة هذا حلال وهذا حرام ، ويجوز أن ينتصب الكذب أيضا بتصف وتكون ما مصدرية : أي لا تقولوا هذا حلال وهذا حرام لوصف ألسنتكم الكذب . وقرئ الكذب بضم الكاف والذال والباء على أنه نعت للألسنة : وقرأ الحسن بفتح الكاف وكسر الذال والباء نعتا لما . وقيل على البدل من ما : أي ولا تقولوا الكذب الذي تصفه ألسنتكم هذا حلال وهذا حرام ، واللام في ( لتفتروا على الله الكذب ) هي لام العاقبة لا لام العرض أي فيتعقب حديث ذلك افتراؤكم على الله الكذب بالتحليل والتحريم وإسناد ذلك إليه من غير أن يكون منه ( إن الذين يفترون على الله الكذب ) أي افتراء كان ( لا يفلحون ) بنوع من أنواع الفلاح وهو الفوز بالمطلوب ، وارتفاع ( متاع قليل ) على أنه خبر مبتدأ محذوف . قال الزجاج : أي متاعهم متاع قليل ، أو هو مبتدأ خبره محذوف : أي لهم متاع قليل ( ولهم عذاب أليم ) يردون إليه في الآخرة . ثم خص محرمات اليهود بالذكر فقال ( وعلى الذين هادوا حرمنا ) أي حرمنا عليهم خاصة دون غيرهم ( ما قصصنا عليك ) بقولنا - حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومها - الآية ، و ( من قبل ) متعلق بقصصنا أو بحرمنا ( وما ظلمناهم ) بذلك التحريم بل جزيناهم ببغيهم ( ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ) حيث فعلوا أسباب ذلك فحرمنا عليهم تلك الأشياء عقوبة لهم . ثم بين سبحانه أن الافتراء على الله سبحانه ومخالفة أمره لا يمنعهم من التوبة وحصول المغفرة فقال ( ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة ) أي متلبسين بجهالة ، وقد تقدم تفسير هذه الآية في سورة النساء ( ثم تابوا من بعد ذلك ) أي من بعد عملهم للسوء ، وفيه تأكيد فإن ثم قد دلت على البعدية فأكدها بزيادة ذكر البعدية ( وأصلحوا ) أعمالهم التي كان فيها فساد بالسوء الذي عملوه ، ثم كرر ذلك تأكيدا وتقريرا فقال ( إن ربك من بعدها ) أي من بعد التوبة ( لغفور رحيم ) كثير الغفران واسع الرحمة . وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله ( وضرب الله مثلا قرية ) قال : يعني مكة . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن عطية في الآية مثله وزاد فقال : ألا ترى أنه قال ( ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه ) . وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر نحوه . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شهاب قال : القرية التي قال الله ( كانت آمنة مطمئنة ) هي يثرب . قلت : ولا أدري أي دليل دله على هذا التعيين ، ولا أي قرينة قامت له على ذلك . ومتى كفرت دار الهجرة ومسكن الأنصار بأنعم الله ، وأي وقت أذاقها الله لباس الجوع والخوف ، وهى التي تنفي خبثها كما ينفي الكير خبث الحديد كما صح ذلك عن الصادق المصدوق . وصح عنه أيضا أنه قال : " والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون " . وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ( ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب ) الآية قال : في البحيرة والسائبة . وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي نضرة قال : قرأت هذه الآية في سورة النحل ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب ( هذا حلال وهذا حرام ) إلى آخر الآية فلم أزل أخاف الفتيا إلى يومي هذا قلت : صدق رحمه الله ، فإن هذه الآية تتناول بعموم لفظها فتيا من أفتى بخلاف ما في كتاب الله أو في سنة رسوله صلى الله عليه وآله سلم ، كما يقع كثيرا من المؤثرين للرأي المقدمين له على الرواية ، أو الجاهلين لعلم الكتاب والسنة كالمقلدة . وإنهم لحقيقون بأن يحال بينهم وبين فتاويهم ويمنعوا من جهالاتهم . فإنهم أفتوا بغير علم من الله ولا هدى ولا كتاب منير فضلوا وأضلوا ، فهم ومن يستفتيهم كما قال القائل : كبهيمة عمياء قاد زمامها * أعمى على عوج الطريق الجائر