الشوكاني
200
فتح القدير
من الأمكنة التي يجلب ما فيها إليها ( فكفرت ) أي كفر أهلها ( بأنعم الله ) التي أنعم بها عليهم ، والأنعم جمع نعمة كالأشد جمع شدة . وقيل جمع نعمى مثل بؤسي وأبؤس ، وهذا الكفر منهم هو كفرهم بالله سبحانه وتكذيب رسله ( فأذاقها الله ) أي أذاق أهلها ( لباس الجوع والخوف ) سمى ذلك لباسا لأنه يظهر به عليهم من الهزال وشحوبة اللون وسوء الحال ما هو كاللباس ، فاستعير له اسمه وأوقع عليه الإذاقة ، وأصلها الذوق بالفم ، ثم استعيرت لمطلق الاتصال مع إنبائها بشدة الإصابة لما فيها من اجتماع الإدراكين : إدراك اللمس ، والذوق . روى أن ابن الرواندي الزنديق قال لابن الأعرابي إمام اللغة والأدب : هل يذاق اللباس ؟ فقال له ابن الأعرابي : لا بأس أيها النسناس ، هب أن محمدا ما كان نبيا أما كان عربيا ؟ كأنه طعن في الآية بأن المناسب أن يقال : فكساها الله لباس الجوع أو فأذاقها الله طعم الجوع ، فرد عليه ابن الأعرابي . وقد أجاب علماء البيان أن هذا من تجريد الاستعارة ، وذلك أنه استعار اللباس لما غشى الإنسان من بعض الحوادث كالجوع والخوف لاشتماله عليه اشتمال اللباس على اللابس ، ثم ذكر الوصف ملائما للمستعار له وهو الجوع والخوف . لأن إطلاق الذوق على إدراك الجوع والخوف جرى عندهم مجرى الحقيقة . فيقولون ذاق فلان البؤس والضر وأذاقه غيره ، فكانت الاستعارة مجردة . ولو قال فكساها كانت مرشحة . قيل وترشيح الاستعارة وإن كان مستحسنا من جهة المبالغة إلا أن للتجريد ترجيحا من حيث إنه روعي جانب المستعار له فازداد الكلام وضوحا : وقيل إن أصل الذوق بالفم ثم قد يستعار فيوضع موضع التعرف والاختبار ، ومن ذلك قول الشاعر : ومن يذق الدنيا فإني طعمتها * وسيق إلينا عذبها وعذابها وقرأ حفص بن غياث ونصر بن عاصم وابن أبي إسحاق وأبو عمرو فيما روى عنه عبد الوارث بنصب الخوف عطفا على لباس ، وقرأ الباقون بالضم عطفا على الجوع . قال الفراء : كل الصفات أجريت على القرية إلا قوله ( يصنعون ) تنبيها على أن المراد في الحقيقة أهلها ( ولقد جاءهم ) يعنى أهل مكة ( رسول منهم ) من جنسهم يعرفونه ويعرفون نسبه ، فأمرهم بما فيه نفعهم ونهاهم عما فيه ضرهم ( فكذبوه ) فيما جاء به ( فأخذهم العذاب ) النازل بهم من الله سبحانه ، والحال أنهم في حال أخذ العذاب لهم ( ظالمون ) لأنفسهم بإيقاعها في العذاب الأبدي ولغيرهم بالإضرار بهم وصدهم عن سبيل الله ، وهذا الكلام من تمام المثل المضروب ، وقيل إن المراد بالعذاب هنا هو الجوع الذي أصابهم ، وقيل القتل يوم بدر : ثم لما وعظهم الله سبحانه بما ذكره من حال أهل القرية المذكورة أمرهم أن يأكلوا مما رزقهم الله من الغنائم ونحوها ، وجاء بالفاء للاشعار بأن ذلك متسبب عن ترك الكفر . والمعنى : أنكم لما آمنتم وتركتم الكفر فكلوا الحلال الطيب وهو الغنيمة واتركوا الخبائث وهو الميتة والدم ( واشكروا نعمة الله ) التي أنعم بها عليكم واعرفوا حقها ( إن كنتم إياه تعبدون ) ولا تعبدون غيره ، أو إن صح زعمكم أنكم تقصدون بعبادة الآلهة التي زعمتم عبادة الله تعالى وقيل إن الفاء في فكلوا داخلة على الأمر بالشكر ، وإنما أدخلت على الأمر بالأكل لأن الأكل ذريعة إلى الشكر ( إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله " كرر سبحانه ذكر هذه المحرمات في البقرة والمائدة والأنعام وفى هذه السورة قطعا للأعذار وإزالة للشبهة ، ثم ذكر الرخصة في تناول شئ مما ذكر فقال ( فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم ) وقد تقدم الكلام على جميع ما هو مذكور هنا مستوفى . ثم زيف طريقة الكفار في الزيادة على هذه المحرمات كالبحيرة والسائبة وفى النقصان عنها كتحليل الميتة والدم فقال ( ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب ) قال الكسائي والزجاج : ما هنا مصدرية وانتصاب الكذب بلا تقولوا : أي لا تقولوا الكذب لأجل وصف ألسنتكم ، ومعناه : لا تحرموا ولا تحللوا لأجل