الشوكاني
199
فتح القدير
كان يفتى من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم . وأخرج ابن مردويه عنه قال : كان قوم من أهل مكة قد أسلموا وكانوا يستخفون بالإسلام فنزلت فيهم ( ثم إن ربك للذين هاجروا ) الآية فكتبوا إليهم بذلك إن الله قد جعل لكم مخرجا فأخرجوا ، فأدركهم المشركون فقاتلوهم فنجا من نجا ، وقتل من قتل . وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن أن عيونا لمسيلمة أخذوا رجلين من المسلمين فأتوه بهما . فقال لأحدهما : أتشهد أن محمدا رسول الله ؟ قال : نعم ، قال : أتشهد أنى رسول الله ؟ فأهوى إلى أذنيه فقال : إني أصم ، فأمر به فقتل ، وقال للآخر : أتشهد أن محمدا رسول الله ؟ قال : نعم . قال : أتشهد أنى رسول الله ؟ قال : نعم ، فأرسله فأتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال له أما صاحبك فمضى على إيمانه . وأما أنت فأخذت بالرخصة . وهو مرسل . سورة النحل الآية ( 112 - 119 ) قوله ( وضرب الله مثلا قرية ) قد قدمنا أن ضرب مضمن معنى جعل حتى تكون قرية المفعول الأول ومثلا المفعول الثاني ، وإنما تأخرت قرية لئلا يقع الفصل بينها وبين صفاتها . وقدمنا أيضا أنه يجوز أن يكون ضرب على بابه غير مضمن ويكون مثلا مفعوله الأول وقرية بدلا منه . وقد اختلف المفسرون هل المراد بهذه القرية قرية معينة ، أو المراد قرية غير معينة ، بل كل قوم أنعم الله عليهم فأبطرتهم النعمة ؟ فذهب الأكثر إلى الأول وصرحوا بأنها مكة ، وذلك لما دعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال : " اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف " ، فابتلوا بالقحط حتى أكلوا العظام . والثاني أرجح لأن تنكير قرية يفيد ذلك ، ومكة تدخل في هذا العموم البدلي دخولا أوليا ، وأيضا يكون الوعيد أبلغ ، والمثل أكمل ، وغير مكة مثلها ، وعلى فرض إرادتها ففي المثل إنذار لغيرها من مثل عاقبتها ، ثم وصف القرية بأنها ( كانت آمنة ) غير خائفة ( مطمئنة ) غير منزعجة : أي لا يخاف أهلها ولا ينزعجون ( يأتيها رزقها ) أي ما يرتزق به أهلها ( رغدا ) واسعا ( من كل مكان )