الشوكاني

184

فتح القدير

سورة النحل الآية ( 80 - 83 ) قوله ( والله جعل لكم ) معطوف على ما قبله وهذا المذكور من جملة أحوال الإنسان ، ومن تعديد نعم الله عليه ، والسكن مصدر يوصف به الواحد والجمع ، وهو بمعنى مسكون : أي تسكنون فيها وتهدأ جوارحكم من الحركة ، وهذه نعمة ، فإن الله سبحانه لو شاء لخلق العبد مضطربا دائما كالأفلاك ، ولو شاء لخلقه ساكنا أبدا كالأرض ( وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا ) لما ذكر سبحانه بيوت المدن ، وهى التي للإقامة الطويلة عقبها بذكر بيوت البادية والرحلة : أي جعل لكم من جلود الأنعام ، وهى الأنطاع والأدم بيوتا كالخيام والقباب ( تستخفونها ) أي يخف عليكم حملها في الأسفار وغيرها ، ولهذا قال ( يوم ظعنكم ) والظعن بفتح العين وسكونها ، وقرئ بهما : سير أهل البادية للانتجاع والتحول من موضع إلى موضع . ومنه قول عنترة : ظعن الذين فراقهم أتوقع * وجرى ببيتهم الغراب الأبقع والظعن الهودج أيضا ( ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ) معطوف على " جعل " أي وجعل لكم من أصواف الأنعام وأوبارها وأشعارها ، والأنعام تعم الإبل والبقر والغنم كما تقدم . والأصواف للغنم ، والأوبار للإبل ، والأشعار للمعز ، وهى من جملة الغنم ، فيكون ذكر هذه الثلاثة على وجه التنويع كل واحد منها لواحد من الثلاثة ، أعني الإبل ، ونوعي الغنم ، والأثاث متاع البيت . وأصله الكثرة والاجتماع ، ومنه شعر أثيث : أي كثير مجتمع ، قال الشاعر : وفرع يزين المتن أسود فاحم * أثيث كقنو النخلة المتعثكل قال الخليل أثاثا : أي منضما بعضه إلى بعض ، من أث إذا أكثر ، قال الفراء : لا واحد له ، والمتاع : ما يتمتع به بأنواع التمتع ، وعلى قول أبى زيد الأنصاري : إن الأثاث المال أجمع : الإبل والغنم والعبيد والمتاع ، يكون عطف المتاع على الأثاث من عطف الخاص على العام ، وقيل إن الأثاث ما يكتسي به الإنسان ويستعمله من الغطاء والوطاء ، والمتاع ما يفرش في المنازل ويتزين به ، ومعنى ( إلى حين ) إلى أن تقضوا أوطاركم منه ، أو إلى أن يبلى ويفنى ، أو إلى الموت ، أو إلى القيامة ، ثم لما كان الإنسان قد لا يكون له خيام ، أو أبنية يستظل بها لفقر ، أو لعارض آخر فيحتاج إلى أن يستظل بشجر أو جدار أو غمام أو نحو ذلك نبه سبحانه على ذلك فقال ( وجعل لكم مما خلق ظلالا ) أي أشياء تستظلون بها كالأشياء المذكورة . والحاصل أن الظلال تعم الأشياء التي تظل ، ثم لما كان