الشوكاني
185
فتح القدير
المسافر قد يحتاج إلى ركن يأوى إليه في نزوله . وإلى ما يدفع به عن نفسه آفات الحر والبرد ، نبه سبحانه على ذلك فقال ( وجعل لكم من الجبال أكنانا ) وهى جمع كن : وهو ما يستكن به من المطر ، وهى هنا الغيران في الجبال ، جعلها الله سبحانه عدة للخلق يأوون إليها ويتحصنون بها ويعتزلون عن الخلق فيها ( وجعل لكم سرابيل ) جمع سربال ، وهى القمصان والثياب من الصوف والقطن والكتان وغيرها . قال الزجاج : كل ما لبسته فهو سربال ، ومعنى ( تقيكم الحر ) تدفع عنكم ضرر الحر ، وخص الحر ولم يذكر البرد اكتفاء بذكر أحد الضدين عن ذكر الآخر ، لأن ما وقي من الحر وقى من البرد . ووجه تخصيص الحر بالذكر أن الوقاية منه كانت أهم عندهم من الوقاية من البرد لغلبة الحر في بلادهم ( وسرابيل تقيكم بأسكم ) وهى الدروع والجواشن يتقون بها الطعن والضرب والرمي . والمعنى : أنها تقيم البأس الذي يصل من بعضهم إلى بعض في الحرب ( كذلك يتم نعمته عليكم ) أي مثل ذلك الإتمام البالغ يتم نعمته عليكم ، فإنه سبحانه قد من على عباده بصنوف النعم المذكورة هاهنا وبغيرها . وهو بفضله وإحسانه سيتم لهم نعمة الدين والدنيا ( لعلكم تسلمون ) إرادة أن تسلموا . فإن من أمعن النظر في هذه النعم لم يسعه إلا الإسلام والانقياد للحق . وقرأ ابن محيصن وحميد " تتم نعمته " بتاءين فوقيتين على أن فاعله نعمته . وقرأ الباقون بالتحتية على أن الفاعل هو الله سبحانه . وقرأ ابن عباس وعكرمة " تسلمون " بفتح التاء واللام من السلامة من الجراح ، وقرأ الباقون بضم التاء وكسر اللام من الإسلام . قال أبو عبيد : والاختيار قراءة العامة ، لأن ما أنعم الله به علينا من الإسلام أفضل مما أنعم به من السلامة من الجراح ، وقيل الخطاب لأهل مكة : أي لعلكم يا أهل مكة تخلصون لله الربوبية ، والأولى الحمل على العموم ، وإفراد النعمة هنا لأن المراد بها المصدر ( فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين ) أي إن تولوا عنك ولم يقبلوا ما جئت به فقد تمهد عذرك ، فإنما عليك البلاغ لما أرسلت به إليهم المبين : أي الواضح ، وليس عليك غير ذلك ، وصرف الخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تسلية له ، وجملة ( يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها ) استئناف لبيان توليهم : أي هو يعرفون نعمة الله التي عددها ، ويعترفون بأنها من عند الله سبحانه ثم ينكرونها بما يقع من أفعالهم القبيحة من عبادة غير الله وبأقوالهم الباطلة ، حيث يقولون هي من الله ولكنها بشفاعة الأصنام ، وحيث يقولون إنهم ورثوا تلك النعم من آبائهم ، وأيضا كونهم لا يستعملون هذه النعم في مرضاة الرب سبحانه ، وفى وجوه الخير التي أمرهم الله بصرفها فيها ، وقيل نعمة الله نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم كانوا يعرفونه ثم ينكرون نبوته ( وأكثرهم الكافرون ) أي الجاحدون لنعم الله أو الكافرون بالله ، وعبر هنا بالأكثر عن الكل ، أو أراد بالأكثر العقلاء دون الأطفال ونحوهم ، أو أراد كفر الجحود ولم يكن كفر كلهم كذلك ، بل كان كفر بعضهم كفر جهل ، وكفر بعضهم بسبب تكذيب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مع اعترافهم بالله وعدم الجحد لربوبيته ، ومثل هذه الآية قوله تعالى - وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين - . وقد أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد سكنا قال : تسكنون فيها ، وأخرج ابن أبي حاتم عن السدى نحوه قال ( وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا ) وهى خيام العرب ( تستخفونها ) يقول : في الحمل ( ومتاعا ) يقول بلاغا ( إلى حين ) قال : إلى الموت . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ( تستخفونها يوم ظعنكم ) قال : بعض بيوت السيارة بنيانه في ساعة ، وفى قوله ( وأوبارها ) قال : الإبل ( وأشعارها ) قال الغنم . وأخرج ابن أبي حاتم عنه في قوله ( أثاثا ) قال : الأثاث المتاع . وأخرج ابن جرير عنه أيضا قال : الأثاث المال ( ومتاعا إلى حين ) يقول : تنتفعون به إلى حين . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم