الشوكاني

162

فتح القدير

فريقان فمنهم من هدى ومنهم من حقت عليه الضلالة ، فكان في ذلك دليل على أن أمر الله سبحانه لا يستلزم موافقة إرادته فإنه يأمر الكل بالإيمان ، ولا يريد الهداية إلا للبعض ، إذ لو أرادها للكل لم يكفر أحد ، وهذا معنى ما حكيناه عن الزجاج هنا ( فسيروا في الأرض ) سير معتبرين ( فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ) من الأمم السابقة عند مشاهدتكم لآثارهم كعاد وثمود : أي كيف صار آخر أمرهم إلى خراب الديار بعد هلاك الأبدان بالعذاب ثم خصص الخطاب برسوله صلى الله عليه وآله وسلم مؤكدا لما تقدم فقال ( إن تحرص على هداهم ) أي تطلب بجهدك ذلك ( فإن الله لا يهدى من يضل ) قرأ ابن مسعود وأهل الكوفة " لا يهدى " بفتح حرف المضارعة على أنه فعل مستقبل مسند إلى الله سبحانه : أي فإن الله لا يرشد من أضله ، و " من " في موضع نصب على المفعولية . وقرأ الباقون " لا يهدى " بضم حرف المضارعة على أنه مبنى للمجهول ، واختار هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم على معنى أنه لا يهديه هاد كائنا من كان ، ومن في موضع رفع على أنها نائب الفاعل المحذوف ، فتكون هذه الآية على هذه القراءة كقوله في الآية الأخرى - من يضلل الله فلا هادي له - والعائد على القراءتين محذوف : أي من يضله . وروى أبو عبيد عن الفراء على القراءة الأولى أن معنى ( لا يهدى ) لا يهتدى كقوله تعالى - أمن لا يهدى إلا أن يهدى - بمعنى يهتدى . قال أبو عبيد : ولا نعلم أحدا روى هذا غير الفراء وليس بمتهم فيما يحكيه . قال النحاس : حكى عن محمد بن يزيد المبرد ، كأن معنى ( لا يهدى من يضل ) من علم ذلك منه وسبق له عنده ( وما لهم من ناصرين ) ينصرونهم على الهداية لمن أضله الله أو ينصرونهم بدفع العذاب عنهم ، ثم ذكر عناد قريش وإنكارهم للبعث فقال ( وأقسموا بالله جهد أيمانهم ) مصدر في موضع الحال : أي جاهدين ( لا يبعث الله من يموت ) من عباده ، زعموا أن الله سبحانه عاجز عن بعث الأموات ، فرد الله عليهم ذلك بقوله ( بلى وعدا عليه حقا ) هذا إثبات لما بعد النفي أي بلى يبعثهم ، ووعدا مصدر مؤكدا لما دل عليه بلى وهو يبعثهم لأن البعث وعد من الله وعد عباده به ، والتقدير وعد البعث وعدا عليه حقا لا خلف فيه ، وحقا صفة لوعد ، وكذا عليه فإنه صفة لوعد : أي كائنا عليه ، أو نصب حقا على المصدرية : أي حق حقا ( ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) أن ذلك يسير عليه سبحانه غير عسير . وقوله ( ليبين لهم ) أي ليظهر لهم ، وهو غاية لما دل عليه بلى من البعث ، والضمير في ( لهم ) راجع إلى من يموت ، والموصول في قوله ( الذي يختلفون فيه ) في محل نصب على أنه مفعول ليبين : أي الأمر الذي وقع الخلاف بينهم فيه ، وبيانه إذ ذاك يكون بما جاءتهم به الرسل ، ونزلت عليهم فيه كتب الله ، وقيل إن ليبين متعلق بقوله ( ولقد بعثنا ) أي بعثنا في كل أمة رسولا ليبين وهو بعيد ( وليعلم الذين كفروا ) بالله سبحانه وأنكروا البعث ( أنهم كانوا كاذبين ) في جدالهم وإنكارهم البعث بقولهم ( لا يبعث الله من يموت ) وجملة ( إنما قولنا لشئ إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ) مستأنفة لبيان كيفية الإبداء والإعادة بعد بيان سهولة البعث عليه سبحانه . قال الزجاج : أعلمهم بسهولة خلق الأشياء عليه فأخبر أنه متى أراد الشئ كان ، وهذا كقوله - وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون - وقرأ ابن عامر والكسائي " فيكون " بالنصب عطفا على أن نقول . قال الزجاج : يجوز أن يكون نصبا على جواب كن . وقرأ الباقون بالرفع على معنى : فهو يكون . قال ابن الأنباري : أوقع لفظ الشئ على المعلوم عند الله تعالى قبل الخلق ، لأنه بمنزلة ما قد وجد وشوهد . وقال الزجاج : إن معنى لشئ لأجل شئ فجعل اللام سببية ، وقيل هي لام التبليغ ، كما في قولك قلت له قم فقام ، و ( إنما قولنا ) مبتدأ ( وأن نقول له كن ) خبره ، وهذا الكلام من باب التمثيل على معنى : أنه لا يمتنع عليه شئ ، وأن وجوده عند إرادته كوجود المأمورية عند أمر الآمر المطاع