الشوكاني

161

فتح القدير

أن ينزل عليهم ملكا من السماء يشهد على صدقه في ادعاء النبوة فقال : هل ينظرون في تصديق نبوتك ( إلا أن تأتيهم الملائكة ) شاهدين بذلك ، ويحتمل أن يقال : إنهم لما طعنوا في القرآن بأنه أساطير الأولين أو عدهم الله بقوله ( هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة ) لقبض أرواحهم ( أو يأتي أمر ربك ) أي عذابه في الدنيا المستأصل لهم ، أو المراد بأمر الله القيامة ، وقرأ الأعمش وابن وثاب وحمزة والكسائي وخلف " إلا أن يأتيهم الملائكة " بالياء التحتية وقرأ الباقون بالمثناة الفوقية ، والمراد بكونهم ينظرون : أي ينتظرون إتيان الملائكة أو إتيان أمر الله على التفسير الآخر أنهم قد فعلوا فعل من وجب عليه العذاب وصار منتظرا له ، وليس المراد أنهم ينتظرون ذلك حقيقة ، فإنهم لا يؤمنون بذلك ولا يصدقونه ( كذلك فعل الذين من قبلهم ) أي مثل فعل هؤلاء من الإصرار على الكفر والتكذيب والاستهزاء فعل الذين خلوا من قبلهم من طوائف الكفار فأتاهم أمر الله فهلكوا ( وما ظلمهم الله ) بتدميرهم بالعذاب فإنه أنزل بهم ما استحقوه بكفرهم ( ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ) بما ارتكبوه من القبائح ، وفيه أن ظلمهم مقصور عليهم باعتبار ما إليه يؤول ، وجملة ( فأصابهم سيئات ما عملوا ) معطوفة على فعل الذين من قبلهم ، وما بينهما اعتراض ، وقيل في الكلام تقديم وتأخير ، والتقدير : كذلك فعل الذين من قبلهم فأصابهم سيئات ما عملوا وما ظلمهم الله ، والمعنى : فأصابهم جزاء سيئات أعمالهم ، أو جزاء أعمالهم السيئة ( وحاق بهم ) أي نزل بهم على وجه الإحاطة ( ما كانوا به يستهزئون ) أي العذاب الذي كانوا به يستهزئون أو عقاب استهزائهم ( وقال الذين أشركوا ) هذا نوع آخر من كفرهم الذي حكاه الله عنهم ، والمراد بالذين أشركوا هنا أهل مكة ( لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شئ ) أي لو شاء عدم عبادتنا لشئ غيره ما عبدنا ذلك ( نحن ولا آباؤنا ) الذين كانوا على ما نحن عليه الآن من دين الكفر والشرك بالله ، قال الزجاج : إنهم قالوا هذا على جهة الاستهزاء ، ولو قالوه عن اعتقاد لكانوا مؤمنين ، وقد مضى الكلام على مثل هذا في سورة الأنعام ( ولا حرمنا من دونه من شئ ) من السوائب والبحائر ونحوهما ، ومقصودهم بهذا القول المعلق بالمشيئة الطعن في الرسالة : أي لو كان ما قاله الرسول حقا من المنع من عبادة غير الله ، والمنع من تحريم ما لم يحرمه الله حاكيا ذلك عن الله لم يقع منا ما يخالف ما أراده منا فإنه قد شاء ذلك ، وما شاءه كان وما لم يشأه لم يكن ، فلما وقع منا العبادة لغيره وتحريم ما لم يحرمه كان ذلك دليلا على أن ذلك هو المطابق لمراده والموافق لمشيئته ، مع أنهم في الحقيقة لا يعترفون بذلك ولا يقرون به لكنهم قصدوا ما ذكرنا من الطعن على الرسل ( كذلك فعل الذين من قبلهم ) من طوائف الكفر فإنهم أشركوا بالله وحرموا ما لم يحرمه وجادلوا رسله بالباطل واستهزءوا بهم ، ثم قال ( فهل على الرسل ) الذين يرسلهم الله إلى عباده بما شرعه لهم من شرائعه التي رأسها توحيده ، وترك الشرك به ( إلا البلاغ ) إلى من أرسلوا إليهم بما أمروا بتبليغه بلاغا واضحا يفهمه المرسل إليهم ولا يلتبس عليهم ، ثم إنه سبحانه أكد هذا وزاده إيضاحا فقال ( ولقد بعثنا في كل أمة رسولا ) كما بعثنا في هؤلاء لإقامة الحجة عليهم - وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا - و " أن " في قوله ( أن اعبدوا الله ) إما مصدرية : أي بعثنا بأن اعبدوا الله ، أو مفسرة لأن في البعث معنى القول ( واجتنبوا الطاغوت ) أي اتركوا كل معبود دون الله كالشيطان والكاهن والصنم وكل من دعا إلى الضلال ( فمنهم ) أي من هذه الأمم التي بعث الله إليها رسله ( من هدى الله ) أي أرشده إلى دينه وتوحيده وعبادته واجتناب الطاغوت ( ومنهم من حقت عليه الضلالة ) أي وجبت وثبتت لإصراره على الكفر والعناد . قال الزجاج : أعلم الله أنه بعث الرسل بالأمر بالعبادة وهو من وراء الإضلال والهداية ، ومثل هذه الآية قوله تعالى - فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة - وفى هذه الآية التصريح بأن الله أمر جميع عباده بعبادته ، واجتناب الشيطان وكل ما يدعو إلى الضلال ، وأنهم بعد ذلك