الشوكاني
134
فتح القدير
انتقلوا من بعضها إلى بعض يقال لهم عند الوصول إلى التي أرادوا الإنتقال إليها ادخلوها ، ومعنى ( بسلام آمنين ) بسلامة من الآفات ، وأمن من المخافات ، أو مسلمين على بعضهم بعضا ، أو مسلما عليهم من الملائكة ، أو من الله عز وجل ( ونزعنا ما في صدروهم من غل ) الغل : الحقد والعداوة ، وقد مر تفسيره في الأعراف ، وانتصاب ( إخوانا ) على الحال : أي إخوة في الدين والتعاطف ( على سرر متقابلين ) أي حال كونهم على سرر ، وعلى صورة مخصوصة وهى التقابل ، ينظر بعضهم إلى وجه بعض ، والسرر جمع سرير ، وقيل هو المجلس الرفيع المهيأ للسرور ، ومنه قولهم : سر الوادي لأفضل موضع منه ( لا يمسهم فيها نصب ) أي تعب وإعياء لعدم وجود ما يتسبب عنه ذلك في الجنة ، لأنها نعيم خالص ، ولذة محضة تحصل لهم بسهولة ، وتوافيهم مطالبهم بلا كسب ولا جهد ، بل بمجرد خطور شهوة الشئ بقلوبهم يحصل ذلك الشئ عندهم صفوا عفوا ( وما هم منها بمخرجين ) أبدا ، وفى هذا الخلود الدائم وعلمهم به تمام اللذة وكمال النعيم ، فإن علم من هو في نعمة ولذة بانقطاعها وعدمها بعد حين موجب لتنغص نعيمه وتكدر لذته . ثم قال سبحانه بعد أن قص علينا ما للمتقين عنده من الجزاء العظيم والأجر الجزيل ( نبئ عبادي أنى أنا الغفور الرحيم ) أي أخبرهم يا محمد أنى أنا الكثير المغفرة لذنوبهم ، الكثير الرحمة لهم ، كما حكمت به على نفسي " إن رحمتي سبقت غضبى " اللهم اجعلنا من عبادك الذين تفضلت عليهم بالمغفرة ، وأدخلتهم تحت واسع الرحمة . ثم إنه سبحانه لما أمر رسوله بأن يخبر عباده بهذه البشارة العظيمة ، أمره بأن يذكر لهم شيئا مما يتضمن التخويف والتحذير حتى يجتمع الرجاء والخوف ، ويتقابل التبشير والتحذير ليكونوا راجين خائفين فقال ( وأن عذابي هو العذاب الأليم ) أي الكثير الإيلام ، وعند أن جمع الله لعباده بين هذين الأمرين من التبشير والتحذير صاروا في حالة وسطا بين اليأس والرجاء ، وخير الأمور أوساطها ، وهى القيام على قدمي الرجاء والخوف ، وبين حالتي الأنس والهيبة ، وجملة ( ونبئهم عن ضيف إبراهيم ) معطوفة على جملة نبئ عبادي : أي أخبرهم بما جرى على إبراهيم من الأمر الذي اجتمع فيه له الرجاء والخوف . والتبشير الذي خالطه نوع من الوجل ليعتبروا بذلك ويعلموا أنها سنة الله سبحانه في عباده . وأيضا لما اشتملت القصة على إنجاء المؤمنين وإهلاك الظالمين كان في ذلك تقريرا لكونه الغفور الرحيم وأن عذابه هو العذاب الأليم ، وقد مر تفسير هذه القصة في سورة هود ، وانتصاب ( إذ دخلوا عليه ) بفعل مضمر معطوف على " نبئ عبادي " أي واذكر لهم دخولهم عليه ، أو في محل نصب على الحال ، والضيف في الأصل مصدر ، ولذلك وحد وإن كانوا جماعة ، وسمى ضيفا لإضافته إلى المضيف ( فقالوا سلاما ) أي سلمنا سلاما ( قال إنا منكم وجلون ) أي فزعون خائفون ، وإنما قال هذا بعد أن قرب إليهم العجل فرآهم لا يأكلون منه كما تقدم في سورة هود - فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة - . وقيل أنكر السلام منهم لأنه لم يكن في بلادهم ، وقيل أنكر دخولهم عليه بغير استئذان ( قالوا لا توجل ) أي قالت الملائكة لا ، تخف وقرئ لا تاجل ولا توجل من أوجله : أي أخافه ، وجملة ( إنا نبشرك بغلام عليم ) مستأنفة لتعليل النهى عن الوجل ، والعليم : كثير العلم ، وقيل هو الحليم كما وقع في موضع آخر من القرآن ، وهذا الغلام : هو إسحاق كما تقدم في هود ، ولم يسمه هنا ولا ذكر التبشير بيعقوب اكتفاء بما سلف ( قال أبشرتموني ) قرأ الجمهور بألف الاستفهام . وقرأ الأعمش " بشرتموني " بغير الألف ( على أن مسني الكبر ) في محل نصب على الحال : أي مع حالة الكبر والهرم ( فبم تبشرون ) استفهام تعجب ، كأنه عجب من حصول الولد له مع ما قد صار إليه من الهرم الذي جرت العادة بأنه لا يولد لمن بلغ إليه ، والمعنى : فبأي شئ تبشرون ، فإن البشارة بما لا يكون عادة لا تصح . وقرأ نافع " تبشرون " بكسر النون والتخفيف وإبقاء الكسرة لتدل على الياء المحذوفة . وقرأ ابن كثير