الشوكاني
135
فتح القدير
وابن محيصن بكسر النون مشددة على إدغام النون في النون ، وأصله تبشرونني . وقرأ الباقون " تبشرون " بفتح النون ( قالوا بشرناك بالحق ) أي باليقين الذي لا خلف فيه ، فإن ذلك وعد الله وهو لا يخلف الميعاد ولا يستحيل عليه شئ ، فإنه القادر على كل شئ ( فلا تكن من القانطين ) هكذا قرأ الجمهور بإثبات الألف وقرأ الأعمش ويحيى بن وثاب " من القنطين " بغير ألف ، وروى ذلك عن أبي عمرو : أي من الآيسين من ذلك الذي بشرناك به ( قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون ) قرئ بفتح النون من يقنط وبكسرها وهما لغتان . وحكى فيه ضم النون : والضالون المكذبون ، أو المخطئون الذاهبون عن طريق الصواب : أي إنما استبعدت الولد لكبر سنى لا لقنوطي من رحمة ربى ، ثم سألهم عما لأجله أرسلهم الله سبحانه ف ( قال فما خطبكم أيها المرسلون ) الخطب : الأمر الخطير والشأن العظيم : أي فما أمركم وشأنكم وما الذي جئتم به غير ما قد بشرتموني به ، وكأنه قد فهم أن مجيئهم ليس لمجرد البشارة ، بل لهم شأن آخر لأجله أرسلوا ( قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين ) أي إلى قوم له إجرام ، فيدخل تحت ذلك الشرك وما هو دونه ، وهؤلاء القوم : هم قوم لوط ، ثم استثنى منهم من ليسوا مجرمين فقال ( إلا آل لوط ) وهو استثناء متصل ، لأنه من الضمير في مجرمين ، ولو كان من قوم لكان منقطعا لكونهم قد وصفوا بكونهم مجرمين ، وليس آل لوط مجرمين ، ثم ذكر ما سيختص به آل لوط من الكرامة لعدم دخولهم مع القوم في إجرامهم فقال ( إنا لمنجوهم أجمعين ) أي آل لوط ، وهم أتباعه وأهل دينه ، وهذه الجملة مستأنفة على تقدير كون الاستثناء متصلا كأنه قيل ماذا يكون حال آل لوط ؟ فقال : إنا لمنجوهم أجمعين ، وأما على تقدير كون الاستثناء منقطعا فهي خبر : أي لكن آل لوط ناجون من عذابنا . وقرأ حمزة والكسائي " لمنجوهم " بالتخفيف من أنجا . وقرأ الباقون بالتشديد من نجى ، واختار هذه القراءة الأخيرة أبو عبيدة وأبو حاتم ، والتنجية والإنجاء التخليص مما وقع فيه غيرهم ( إلا امرأته ) هذا الاستثناء من الضمير في منجوهم إخراجا لها من التنجية : أي إلا امرأته فليست ممن ننجيه بل ممن نهلكه ، وقيل إن الاستثناء من آل لوط باعتبار ما حكم لهم به من التنجية ، والمعنى : قالوا : إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين لنهلكهم إلا آل لوط إنا لمنجوهم إلا امرأته فإنها من الهالكين ، ومعنى ( قدرنا أنها لمن الغابرين ) قضينا وحكمنا أنها من الباقين في العذاب مع الكفرة ، والغابر الباقي ، قال الشاعر : لا تكسح الشول بأغبارها * إنك لا تدرى من الناتج والإغبار : بقايا اللبن ، قال الزجاج : معنى قدرنا دبرنا وهو قريب من معنى قضينا وأصل التقدير : جعل الشئ على مقدار الكفاية . وقرأ عاصم من رواية أبى بكر والمفضل " قدرنا " بالتخفيف ، وقرأ الباقون بالتشديد . قال الهروي : هما بمعنى ، وإنما أسند التقدير إلى الملائكة مع كونه من فعل الله سبحانه لما لهم من القرب عند الله ( فلما جاء آل لوط المرسلون ) هذه الجملة مستأنفة لبيان وإهلاك من يستحق الهلاك وتنجية من يستحق النجاة ( قال إنكم قوم منكرون ) أي قال لوط مخاطبا لهم إنكم قوم منكرون : أي لا أعرفكم بل أنكركم ( قالوا بل جئناك بما كانوا فيه يمترون ) أي بالعذاب الذي كانوا يشكون فيه ، فالإضراب هو عن مجيئهم بما ينكره ، كأنهم قالوا : ما جئناك بما خطر ببالك من المكروه ، بل جئناك بما فيه سرورك ، وهو عذابهم الذي كنت تحذرهم منه وهم يكذبونك ( وأتيناك بالحق ) أي باليقين الذي لا مرية فيه ولا تردد ، وهو العذاب النازل بهم لا محالة ( وإنا لصادقون ) في ذلك الخبر الذي أخبرناك ، وقد تقدم تفسير قوله ( فاسر بأهلك بقطع من الليل ) في سورة هود ( واتبع أدبارهم ) أي كن من ورائهم تذودهم لئلا يختلف منهم أحد فيناله العذاب ( ولا يلتفت منكم أحد ) أي لا تلتفت أنت ولا يلتفت أحد منهم فيرى ما نزل بهم من العذاب ، فيشتغل بالنظر في ذلك ويتباطأ عن سرعة السير والبعد عن ديار