الشوكاني
122
فتح القدير
كقولك حالي رجل على كتفه سيف ، وقيل إن الجملة صفة لقرية ، والواو لتأكيد اللصوق بين الصفة والموصوف ( ما تسبق من أمة أجلها ) أي ما تسبق أمة من الأمم أجلها المضروب لها المكتوب في اللوح المحفوظ ، والمعنى : أنه لا يأتي هلاكها قبل مجئ أجلها ( وما يستأخرون ) أي وما يتأخرون عنه . فيكون مجئ هلاكهم بعد مضى الأجل المضروب له وإيراد الفعل على صيغة جمع المذكر للحمل على المعنى مع التغليب ولرعاية الفواصل ، ولذلك حذف الجار والمجرور والجملة مبينة لما قبلها ، فكأنه قيل إن هذا الإمهال لا ينبغي أن يغتر به العقلاء ، فإن لكل أمة وقتا معينا في نزول العذاب لا يتقدم ولا يتأخر . وقد تقدم تفسير الأجل في أول سورة الأنعام . ثم لما فرغ من تهديد الكفار شرع في بيان بعض عتوهم في الكفر ، وتماديهم في الغى مع تضمنه لبيان كفرهم بمن أنزل عليه الكتاب بعد بيان كفرهم بالكتاب ، فقال ( وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر ) أي قال : كفار مكة مخاطبين لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومتهكمين به حيث أثبتوا له إنزال الذكر عليه مع إنكارهم لذلك في الواقع أشد إنكار ونفيهم له أبلغ نفى ، أو أرادوا : بيا أيها الذي نزل عليه الذكر في زعمه ، وعلى وفق ما يدعيه ( إنك لمجنون ) أي إنك بسبب هذه الدعوى التي تدعيها من كونك رسولا لله مأمورا بتبليغ أحكامه لمجنون ، فإنه لا يدعى مثل هذه الدعوى العظيمة عندهم من كان عاقلا ، فقولهم هذا لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم هو كقول فرعون - إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون - ( لو ما تأتينا بالملائكة ) لوما حرف تحضيض مركب من لو المفيدة للتمني ومن ما المزيدة ، فأفاد المجموع الحث على الفعل الداخلة هي عليه ، والمعنى : هلا تأتينا بالملائكة ليشهدوا على صدقك ( إن كنت من الصادقين ) . قال الفراء : الميم في لوما بدل من اللام في لولا . وقال الكسائي : لولا ولوما سواء في الخبر والاستفهام . قال النحاس : لوما ولولا وهلا واحد ، وقيل المعنى : لوما تأتينا بالملائكة فيعاقبونا على تكذيبنا لك ( ما ننزل الملائكة إلا بالحق ) قرئ " ما ننزل " بالنون مبينا للفاعل ، وهو الله سبحانه فهو على هذا من التنزيل ، والمعنى على هذه القراءة : قال الله سبحانه مجيبا على الكفار لما طلبوا إتيان الملائكة إليهم ما ننزل نحن ( الملائكة إلا بالحق ) أي تنزيلا متلبسا بالحق الذي يحق عنده تنزيلنا لهم فيما تقتضيه الحكمة الإلهية والمشيئة الربانية وليس هذا الذي اقترحتموه مما يحق عنده تنزيل الملائكة وقرئ " ننزل " مخففا من الإنزال : أي ما ننزل نحن الملائكة إلا بالحق ، وقرئ " ما تنزل " بالمثناة من فرق مضارعا مثقلا مبنيا للفاعل من التنزيل بحذف إحدى التاءين : أي تتنزل ، وقرئ أيضا بالفوقية مضارعا مبنيا للمفعول ، وقيل معنى إلا بالحق : إلا بالقرآن ، وقيل بالرسالة ، وقيل بالعذاب ( وما كانوا إذا منظرين ) في الكلام حذف ، والتقدير : ولو أنزلنا الملائكة لعوجلوا بالعقوبة وما كانوا إذا منظرين : فالجملة المذكورة جزاء للجملة الشرطية المحذوفة ، ثم أنكر على الكفار استهزاءهم برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقولهم ( يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون ) ، فقال سبحانه ( إنا نحن نزلنا الذكر ) أي نحن نزلنا ذلك الذكر الذي أنكروه ونسبوك بسببه إلى الجنون ( وإنا له لحافظون ) عن كل ما لا يليق به من تصحيف وتحريف وزيادة ونقص ونحو ذلك وفيه وعيد شديد للمكذبين به المستهزئين برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وقيل الضمير في له لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، والأول أولى بالمقام . ثم ذكر سبحانه أن عادة أمثال هؤلاء الكفار مع أنبيائهم كذلك تسلية لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال ( ولقد أرسلنا من قبلك ) أي رسلا وحذف لدلالة الإرسال عليه : أي رسلا كائنة من قبلك ( في شيع الأولين ) في أممهم وأتباعهم وسائر فرقهم وطوائفهم . قال الفراء : الشيع الأمة التابعة بعضهم بعضا فيما يجتمعون عليه ، وأصله من شاعه إذا تبعه ، وإضافته إلى الأولين من إضافة الصفة إلى الموصوف عند بعض النحاة ، أو من حذف الموصوف عند آخرين منهم ( وما يأتيهم من رسول إلا كانوا