الشوكاني
123
فتح القدير
به يستهزءون ) أي ما يأتي رسول من الرسل شيعته إلا كانوا به يستهزءون كما يفعله هؤلاء الكفار مع محمد صلى الله عليه وآله وسلم وجملة إلا كانوا به يستهزءون في محل نصب على الحال ، أو في محل رفع على أنها صفة رسول ، أو في محل جر على أنها صفة له على اللفظ لا على المحل ( كذلك نسلكه في قلوب المجرمين ) أي مثل ذلك الذي سلكناه في قلوب أولئك المستهزئين برسلهم ( نسلكه ) أي الذكر ( في قلوب المجرمين ) ، فالإشارة إلى ما دل عليه الكلام السابق من إلقاء الوحي مقرونا بالاستهزاء ، والسلك إدخال الشئ في الشئ كالخيط في المخيط ، قاله الزجاج . قال : والمعنى كما فعل بالمجرمين الذين استهزءوا نسلك الضلال في قلوب المجرمين . وجملة ( لا يؤمنون به ) في محل نصب على الحال من ضمير نسلكه : أي لا يؤمنون بالذكر الذي أنزلناه ، ويجوز أن تكون مستأنفة لبيان ما قبلها فلا محل لها ، وقيل إن الضمير في نسلكه للاستهزاء ، وفى لا يؤمنون به للذكر ، وهو بعيد ، والأولى أن الضميرين للذكر ( وقد خلت سنة الأولين ) أي مضت طريقتهم التي سنها الله في إهلاكهم ، حيث فعلوا ما فعلوا من التكذيب والاستهزاء . وقال الزجاج : وقد مضت سنة الله في الأولين بأن سلك الكفر والضلال في قلوبهم . ثم حكى الله سبحانه إصرارهم على الكفر وتصميمهم على التكذيب والاستهزاء ، فقال ( ولو فتحنا عليهم ) أي على هؤلاء المعاندين لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم المكذبين له المستهزئين به ( بابا من السماء ) أي من أبوابها المعهودة ومكناهم من الصعود إليه ( فظلوا فيه ) أي في ذلك الباب ( يعرجون ) يصعدون بآلة أو بغير آلة حتى يشاهدوا ما في السماء من عجائب الملكوت التي لا يجحدها جاحد ولا يعاند عند مشاهدتها معاند ، وقيل الضمير في فظلوا للملائكة : أي فظل الملائكة يعرجون في ذلك الباب ، والكفار يشاهدونهم وينظرون صعودهم من ذلك الباب ( لقالوا ) أي الكفار لفرط عنادهم وزيادة عتوهم ( إنما سكرت أبصارنا ) قرأ ابن كثير سكرت بالتخفيف ، وقرأ الباقون بالتشديد وهو من سكر الشراب ، أو من السكر ، وهو سدها عن الإحساس ، يقال سكر النهر : إذا سده وحبسه عن الجري ، ورجع الثاني بقراءة التخفيف . وقال أبو عمرو بن العلاء : سكرت غشيت وغطيت ، ومنه قول الشاعر : وطلعت شمس عليها مغفر * وجعلت عين الجزور تسكر وبه قال أبو عبيد وأبو عبيدة . وروى عن أبي عمرو أيضا أنه من سكر الشراب : أي غشيهم ما غطى أبصارهم كما غشى السكران ما غطى عقله ، وقيل معنى سكرت حبست كما تقدم ، ومنه قول أوس بن حجر : فصرت على ليلة ساهره * فليست بطلق ولا ساكره قال النحاس : وهذه الأقوال متقاربة ( بل نحن قوم مسحورون ) أضربوا عن قولهم سكرت أبصارنا ثم ادعوا أنهم مسحورون : أي سحرهم محمد صلى الله عليه وآله وسلم . وفى هذا بيان لعنادهم العظيم الذي لا يقلعهم عنه شئ من الأشياء كائنا ما كان ، فإنهم إذا رأوا آية توجب عليهم الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله نسبوا إلى أبصارهم أن إدراكها غير حقيقي لعارض السكر ، أو أن عقولهم قد سحرت فصار إدراكهم غير صحيح ، ومن بلغ في التعنت إلى هذا الحد فلا تنفع فيه موعظة ، ولا يهتدى بآية . وقد أخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله ( تلك آيات الكتاب ) قال : التوراة والإنجيل . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم في ( تلك آيات الكتاب ) قال : الكتب التي كانت قبل القرآن ( وقرآن مبين ) قال : مبين والله هداه ورشده وخيره . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس وابن مسعود وناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله ( ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ) قال : ود المشركون يوم بدر حين