الشوكاني

93

فتح القدير

الآية ، ويدل على هذا قولهم من بعد ( وتطمئن قلوبنا ) وأما على القراءة الأولى ، فالمعنى : هل تستطيع أن تسأل ربك . قال الزجاج : المعنى هل تستدعى طاعة ربك فيما تسأله فهو من باب - واسأل القرية - ، والمائدة : الخوان إذا كان عليه الطعام ، من مادة : إذا أعطاه ورفده كأنها تميد من تقدم إليه قاله قطرب وغيره ، وقيل هي فاعلة بمعنى مفعولة كعيشة راضية قاله أبو عبيدة ، فأجابهم عيسى عليه السلام بقوله ( اتقوا الله إن كنتم مؤمنين ) أي اتقوه من هذا السؤال وأمثاله إن كنتم صادقين في إيمانكم ، فإن شأن المؤمن ترك الاقتراح على ربه على هذه الصفة ، وقيل إنه أمرهم بالتقوى ليكون ذلك ذريعة إلى حصول ما طلبوه . قوله ( قالوا نريد أن نأكل منها ) بينوا به الغرض من سؤالهم نزول المائدة ، وكذا ما عطف عليه من قولهم ( وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين ) والمعنى : تطمئن قلوبنا بكمال قدرة الله ، أو بأنك مرسل إلينا من عنده ، أو بأن الله قد أجابنا إلى ما سألناه ، ونعلم علما يقينا بأنك قد صدقتنا في نبوتك ، ونكون عليها من الشاهدين عند من لم يحضرها من بني إسرائيل أو من سائر الناس أو من الشاهدين لله بالوحدانية ، أو من الشاهدين : أي الحاضرين دون السامعين . ولما رأي عيسى ما حكوه عن أنفسهم من الغرض بنزول المائدة قال ( اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء ) أي كائنة أو نازلة من السماء ، وأصل اللهم عند سيبويه وأتباعه : يا الله ، فجعلت الميم بدلا من حرف النداء ، وربنا نداء ثان ، وليس بوصف ، و ( تكون لنا عيدا ) وصف لمائدة . وقرأ الأعمش " يكون لنا عيدا " أي يكون يوم نزولها لنا عيدا . وقد كان نزولها يوم الأحد ، وهو يوم عيد لهم ، والعيد واحد الأعياد ، وإنما جمع بالياء وأصله الواو للزومها في الواحد ، وقيل للفرق بينه وبين أعواد جمع عود ، ذكر معناه الجوهري ، وقيل أصله من عاد يعود : أي رجع فهو عود بالواو ، وتقلب ياء لانكسار ما قبلها مثل الميزان والميقات والميعاد ، فقيل ليوم الفطر والأضحى عيدان ، لأنهما يعودان في كل سنة . وقال الخليل : العيد كل يوم جمع كأنهم عادوا إليه . قوله ( لأولنا وآخرنا ) بدل من الضمير في لنا بتكرير العامل : أي لمن في عصرنا ولمن يأتي بعدنا من ذرارينا وغيرهم . قوله ( وآية منك ) عطف على عيدا : أي دلالة وحجة واضحة على كمال قدرتك وصحة إرسالك من أرسلته ( وارزقنا ) أي أعطنا هذه المائدة المطلوبة ، أو ارزقنا رزقا نستعين به على عبادتك ( وأنت خير الرازقين ) بل لا رازق في الحقيقة غيرك ولا معطي سواك ، فأجاب الله سبحانه سؤال عيسى عليه السلام فقال ( إني منزلها ) أي المائدة ( عليكم ) . وقد اختلف أهل العلم هل نزلت عليهم المائدة أم لا ؟ فذهب الجمهور إلى الأول وهو الحق لقوله سبحانه ( إني منزلها عليكم ) ووعده الحق وهو لا يخلف الميعاد . وقال مجاهد : ما نزلت وإنما هو ضرب مثل ضربه الله لخلقه نهيا لهم عن مسألة الآيات لأنبيائه . وقال الحسن : وعدهم بالإجابة ، فلما قال ( فمن يكفر بعد منكم ) استغفروا الله وقالوا لا نريدها . قوله ( فمن يكفر بعد منكم ) أي بعد تنزيلها ( فأنى أعذبه عذابا ) أي تعذيبا ( لا أعذبه ) صفة لعذابا . والضمير عائد إلى العذاب بمعنى التعذيب : أي لا أعذب مثل ذلك التعذيب ( أحدا من العالمين ) قيل المراد عالمي زمانهم . وقيل جميع العالمين ، وفى هذا من التهديد والترهيب مالا يقادر قدره . وقد أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن عائشة قالت : كان الحواريون أعلم بالله من أن يقولوا ( هل يستطيع ربك ) إنما قالوا : هل تستطيع أنت ربك أن تدعوه ، ويؤيد هذا ما أخرجه الحاكم وصححه والطبراني وابن مردويه عن معاذ بن جبل أنه قال : أقرأني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( هل تستطيع ربك ) بالتاء يعني الفوقية . وأخرج أبو عبيد وعبد بن حميد وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس أنه قرأها كذلك . وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال : المائدة الخوان ، وتطمئن : توقن .