الشوكاني
81
فتح القدير
سورة المائدة الآية ( 103 - 104 ) قيل المراد بالخبيث والطيب : الحرام والحلال ، وقيل المؤمن والكافر ، وقيل العاصي والمطيع ، وقيل الردئ والجيد . والأولى أن الاعتبار بعموم اللفظ فيشمل هذه المذكورات وغيرها مما يتصف بوصف الخبث والطيب من الأشخاص والأعمال والأقوال ، فالخبيث لا يساوي الطيب بحال من الأحوال . قوله ( ولو أعجبك كثرة الخبيث ) قيل الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وقيل لكل مخاطب يصلح لخطابه بهذا . والمراد نفي الاستواء في كل الأحوال ، ولو في حال كون الخبيث معجبا للرائي للكثرة التي فيه ، فإن هذه الكثرة مع الخبيث في حكم العدم ، لأن خبث الشئ يبطل فائدته ، ويمحق بركته ، ويذهب بمنفعته ، والواو إما للحال أو للعطف على مقدر : أي لا يستوي الخبيث والطيب لو لم تعجبك كثرة الخبيث ، ولو أعجبك كثرة الخبيث كقولك أحسن إلى فلان وإن أساء إليك : أي أحسن إليه إن لم يسئ إليك وإن أساء إليك ، وجواب لو محذوف : أي ولو أعجبك كثرة الخبيث فلا يستويان . قوله ( يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ) أي لا تسألوا عن أشياء لا حاجة لكم بالسؤال عنها ولا هي مما يعنيكم في أمر دينكم ، فقوله ( إن تبد لكم تسؤكم ) في محل جر صفة لأشياء : أي لا تسألوا عن أشياء متصفة بهذه الصفة من كونها إذا بدت لكم : أي ظهرت وكلفتم بها ساءتكم ، نهاهم الله عن كثرة مساءلتهم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فإن السؤال عما لا يعنى ولا تدعو إليه حاجة قد يكون سببا لإيجابه على السائل وعلى غيره . قوله ( وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم ) هذه الجملة من جملة صفة أشياء . والمعنى : لا تسألوا عن أشياء إن تسألوا عنها حين ينزل القرآن . وذلك مع وجود رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين أظهركم ونزول الوحي عليه ( نبد لكم ) أي تظهر لكم بما يجيب عليكم به النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، أو ينزل به الوحي فيكون ذلك سببا للتكاليف الشاقة وإيجاب ما لم يكن واجبا وتحريم ما لم يكن محرما ، بخلاف السؤال عنها بعد انقطاع الوحي بموت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإنه لا إيجاب ولا تحريم يتسبب عن السؤال . وقد ظن بعض أهل التفسير أن الشرطية الثانية فيها إباحة السؤال مع وجود رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونزول الوحي عليه ، فقال : إن الشرطية الأولى أفادت عدم جواز السؤال ، والثانية أفادت جوازه ، فقال إن المعنى : وإن تسألوا عن غيرها مما مست إليه الحاجة تبد لكم بجواب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عنها ، وجعل الضمير في ( عنها ) راجعا إلى أشياء غير الأشياء المذكورة ، وجعل ذلك كقوله - ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين - وهو آدم . ثم قال - جعلناه نطفة - أي ابن آدم . قوله ( عفا الله عنها ) أي عما سلف من مسألتكم فلا تعودوا إلى ذلك . وقيل المعنى : إن تلك الأشياء التي سألتم عنها هي مما عفا عنه ولم يوجبه عليكم ، فكيف تتسببون بالسؤال لإيجاب ما هو عفو من الله غير لازم ؟ وضمير ( عنها ) عائد إلى المسألة الأولى ، وإلى أشياء على الثاني على أن تكون جملة " عفا الله عنها " صفة ثالثة لأشياء ، والأول أولى ، لأن الثاني يستلزم أن يكون ذلك المسؤول عنه قد شرعه الله ثم عفا عنه ، ويمكن أن يقال إن العفو بمعنى الترك : أي تركها الله ولم يذكرها بشئ فلا تبحثوا عنها ، وهذا معنى صحيح لا يستلزم ذلك اللازم الباطل ، ثم جاء سبحانه بصيغة المبالغة في كونه غفورا حليما ليدل بذلك على أنه لا يعاجل من عصاه بالعقوبة لكثرة مغفرته وسعة حلمه . قوله ( قد سألها قوم من قبلكم ثم