الشوكاني
82
فتح القدير
أصبحوا بها كافرين ) الضمير يرجع إلى المسألة المفهومة من ( لا تسألوا ) لكن ليست هذه المسألة بعينها ، بل مثلها في كونها مما لا حاجة إليه ولا توجبه الضرورة الدينية ثم لم يعملوا بها ، بل أصبحوا بها كافرين : أي ساترين لها تاركين للعمل بها ، وذلك كسؤال قوم صالح الناقة ، وأصحاب عيسى المائدة ، ولا بد من تقييد النهي في هذه الآية بما لا تدعو إليه حاجة كما قدمنا ، لأن الأمر الذي تدعو الحاجة إليه في أمور الدين والدنيا قد أذن الله بالسؤال عنه فقال - فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون - وقال صلى الله عليه وآله وسلم " قاتلهم الله ألا سألوا فإنما شفاء العي السؤال " . قوله ( ما جعل الله من بحيرة ) هذا كلام مبتدأ يتضمن الرد على أهل الجاهلية فيما ابتدعوه ، وجعل ههنا بمعنى سمى كما قال - إنا جعلناه قرآنا عربيا - . والبحيرة : فعيلة بمعنى مفعولة كالنطيحة والذبيحة ، وهي مأخوذة من البحر ، وهو شق الأذن . قال ابن سيده : البحيرة هي التي خليت بلا راع ، قيل هي التي يجعل درها للطواغيت فلا يحتلبها أحد من الناس ، وجعل شق أذنها علامة لذلك . وقال الشافعي : كانوا إذا نتجت الناقة خمسة أبطن إناثا بحرت أذنها فحرمت ، وقيل إن الناقة إذا نتجت خمسة أبطن ، فإن كان الخامس ذكرا بحروا أذنه فأكله الرجال والنساء ، وإن كان الخامس أنثى بحروا أذنها وكانت حراما على النساء لحمها ولبنها ، وقيل إذا نتجت الناقة خمسة أبطن من غير تقييد بالإناث شقوا أذنها وحرموا ركوبها ودرها . والسائبة : الناقة تسبب ، أو البعير يسيب نذر على الرجل إن سلمه الله من مرض أو بلغه منزلة . فلا يحبس عن رعى ولا ماء ، ولا يركبه أحد قاله أبو عبيد . قال الشاعر : وسائبة لله تنمى تشكرا * إن الله عافا عامرا ومجاشعا وقيل هي التي تسيب لله فلا قيد عليها ولا راعى لها ، ومنه قول الشاعر : عقرتم ناقة كانت لربي * مسيبة فقوموا للعقاب وقيل هي التي تابعت بين عشر إناث ليس بينهن ذكر ، فعند ذلك لا يركب ظهرها ، ولا يجز وبرها ولا يشرب لبنها إلا ضيف ، وقيل كانوا يسيبون العبد فيذهب حيث يشاء لا يد عليه لأحد . والوصيلة : قيل هي الناقة إذا ولدت أنثى بعد أنثى ، وقيل هي الشاة كانت إذا ولدت أنثى فهي لهم ، وإن ولدت ذكرا فهو لآلهتهم ، وإن ولدت ذكرا وأنثى قالوا وصلت أخاها فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم ، وقيل كانوا إذا ولدت الشاة سبعة أبطن نظروا ، فإن كان السابع ذكرا ذبح فأكل منه الرجال والنساء ، وإن كانت أنثى تركت في الغنم ، وإن كان ذكرا وأنثى قالوا وصلت أخاها فلم يذبح لمكانها ، وكان لحمها حراما على النساء ، إلا أن يموت فيأكلها الرجال والنساء . والحام : الفحل الحامي ظهره عن أن يركب ، وكانوا إذا ركب ولد الفحل قالوا حمى ظهره فلا يركب ، قال الشاعر : حماها أبو قابوس في عز ملكه * كما قد حمى أولاد أولاده الفحل وقيل هو الفحل إذا نتج من صلبه عشرة ، قالوا قد حمى ظهره فلا يركب ولا يمنع من كلأ ولا ماء ، ثم وصفهم الله سبحانه بأنهم ما قالوا ذلك إلا افتراء على الله وكذبا ، لا لشرع شرعه الله لهم ولا لعقل دلهم عليه ، وسبحان الله العظيم ما أرك عقول هؤلاء وأضعفها ، يفعلون هذه الأفاعيل التي هي محض الرقاعة ونفس الحمق ( وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا ) وهذه أفعال آبائهم وسننهم التي سنوها لهم ، وصدق الله سبحانه حيث يقول ( أو لو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون ) أي ولو كانوا جهلة ضالين ، والواو للحال دخلت عليها همزة الاستفهام ، وقيل للعطف على جملة مقدرة : أي أحسبهم ذلك ولو كان آباؤهم . وقد تقدم الكلام على مثل هذه الآية في البقرة . وقد صارت هذه المقالة التي قالتها الجاهلية نصب أعين