الشوكاني

499

فتح القدير

بهم ، أو للاستثناء منهم على القول الآخر . ثم وصف الله سبحانه قلة المؤمنين مع نوح بالنسبة إلى من كفر به فقال ( وما آمن معه إلا قليل ) قيل هم ثمانون إنسانا : منهم ثلاثة من بنيه ، وهو سام ، وحام ، ويافث ، وزوجاتهم ، ولما خرجوا من السفينة بنوا قرية يقال لها قرية الثمانين ، وهي موجودة بناحية الموصل ، وقيل كانوا عشرة ، وقيل سبعة ، وقيل كانوا اثنين وسبعين ، وقيل غير ذلك . قوله ( وقال اركبوا فيها ) القائل نوح ، وقيل الله سبحانه . والأول أولى لقوله ( إن ربي لغفور رحيم ) والركوب : العلو على ظهر الشئ حقيقة نحو ركب الدابة ، أو مجازا نحو ركبه الدين ، وفي الكلام حذف : أي اركبوا الماء في السفينة فلا يرد أن ركب يتعدى بنفسه ، وقيل إن الفائدة في زيادة ( في ) أنه أمرهم بأن يكونوا في جوف السفينة لا على ظهرها ، وقيل إنها زيدت لرعاية جانب المحلية في السفينة كما في قوله - فإذا ركبوا في الفلك - ، وقوله - حتى إذا ركبا في السفينة - قيل ولعل نوحا قال هذه المقالة بعد إدخال ما أمر بحمله من الأزواج ، كأنه قيل : فحمل الأزواج وأدخلها في الفلك ، وقال للمؤمنين ، ويمكن أن يقال إنه أمر بالركوب كل من أمر بحمله من الأزواج والأهل والمؤمنين ، ولا يمتنع أن يفهم خطابه من لا يعقل من الحيوانات ، أو يكون هذا على طريقة التغليب . قوله ( بسم الله ) متعلق باركبوا ، أو حال من فاعله : أي مسمين الله ، أو قائلين ( بسم الله مجراها ومرساها ) قرأ أهل الحرمين وأهل البصرة بضم الميم فيهما إلا من شذ منهم على أنهما اسما زمان ، وهما في موضع نصب على الظرفية : أي وقت مجراها ومرساها ، ويجوز أن يكونا مصدرين : أي وقت إجرائها وإرسائها . وقرأ الأعمش وحمزة والكسائي وحفص " مجراها " بفتح الميم ، ومرساها بضمها ، وقرأ يحيى بن وثاب بفتحها فيهما . وقرأ مجاهد وسليمان بن جندب وعاصم الجحدري وأبو رجاء العطاردي " مجريها ومرسيها " على أنهما وصفان لله ويجوز أن يكونا في موضع رفع باضمار مبتدأ : أي هو مجريها ومرسيها ( إن ربي لغفور ) للذنوب ( رحيم ) بعباده ، ومن رحمته إنجاء هذه الطائفة تفضلا منه لبقاء هذا الجنس الحيواني ، وعدم استئصاله بالغرق قوله ( وهي تجري بهم في موج كالجبال ) هذه الجملة متصلة بجملة محذوفة دل عليها الأمر بالركوب والتقدير : فركبوا مسمين وهي تجري بهم ، والموج جمع موجة ، وهي ما ارتفع عن جملة الماء الكثير عند اشتداد الريح ، وشبهها بالجبال المرتفعة على الأرض . قوله ( ونادى نوح ابنه ) هو كنعان ، قيل وكان كافرا ، واستبعد كون نوح ينادي من كان كافرا مع قوله - رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا - ، وأجيب بأنه كان منافقا فظن نوح أنه مؤمن ، وقيل حملته شفقة الأبوة على ذلك ، وقيل إنه كان ابن امرأته ولم يكن بابنه ، ويؤيده ما روى أن عليا قرأ ونادى نوح ابنها ، وقيل إنه كان لغير رشدة ، وولد على فراش نوح . ورد بأن قوله ( ونادى نوح ابنه ) ، وقوله ( إن ابني من أهلي ) يدفع ذلك على ما فيه من عدم صيانة منصب النبوة ( وكان في معزل ) أي في مكان عزل فيه نفسه عن قومه وقرابته بحيث لم يبلغه قول نوح : اركبوا فيها ، وقيل في معزل من دين أبيه ، وقيل من السفينة ، قيل وكان هذا النداء قبل أن يستيقن الناس الغرق ، بل كان في أول فور التنور . قوله ( يا بنى اركب معنا ) قرأ عاصم بفتح الياء ، والباقون بكسرها ، فأما الكسر فلجعله بدلا من ياء الإضافة ، لأن الأصل يا بني ، وأما الفتح فلقلب ياء الإضافة ألفا لخفة الألف ، ثم حذف الألف وبقيت الفتحة لتدل عليه . قال النحاس : وقراءة عاصم مشكلة وقال أبو حاتم أصله يا بنياه ثم تحذف . وقد جعل الزجاج للفتح وجهين ، وللكسر وجهين . أما الفتح بالوجه الأول ما ذكرناه ، والوجه الثاني أن تحذف الألف لالتقاء الساكنين . وأما الكسر فالوجه الأول ما ذكرناه ، والثاني أن تحذف لالتقاء الساكنين كذا حكى عنه النحاس . وقرأ أبو عمرو والكسائي وحفص ( اركب معنا ) بإدغام الباء في الميم لتقاربهما في المخرج . وقرأ الباقون بعدم الإدغام ( ولا تكن