الشوكاني
500
فتح القدير
مع الكافرين ) نهاه عن الكون مع الكافرين : أي خارج السفينة ، ويمكن أن يراد بالكون معهم الكون على دينهم ، ثم حكى الله سبحانه ما أجاب به ابن نوح على أبيه فقال ( قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء ) أي يمنعني بارتفاعه من وصول الماء إلي ، فأجاب عنه نوح بقوله ( لا عاصم اليوم من أمر الله ) أي لا مانع فإنه يوم قد حق فيه العذاب وجف القلم بما هو كائن فيه ، نفى جنس العاصم فيندرج تحته العاصم من الغرق في ذلك اليوم اندراجا أوليا ، وعبر عن الماء أو عن الغرق بأمر الله سبحانه تفخيما لشأنه وتهويلا لأمره . والاستثناء قال الزجاج : هو منقطع : أي لكن من رحمه الله فهو يعصمه ، فيكون ( من رحم ) في موضع نصب ، ويجوز أن يكون الاستثناء متصلا على أن يكون عاصم بمعنى معصوم : أي لا معصوم اليوم من أمر الله إلا من رحمه الله : مثل - ماء دافق - وعيشة راضية - ومنه قول الشاعر : دع المكارم لا تنهض لبغيتها * واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي أي المطعم المكسو ، واختار هذا الوجه ابن جرير ، وقيل العاصم بمعنى ذي العصمة ، كلابن وتامر ، والتقدير : لا عاصم قط إلا مكان من رحم الله وهو السفينة ، وحينئذ فلا يرد ما يقال : إن معنى من رحم من رحمه الله ، ومن رحمه الله هو معصوم ، فكيف يصح استثناؤه عن العاصم ؟ لأن في كل وجه من هذه الوجوه دفعا للإشكال . وقرئ ( إلا من رحم ) على البناء للمفعول ( وحال بينهما الموج ) أي حال بين نوح وابنه فتعذر خلاصه من الغرق ، وقيل بين ابن نوح وبين الجبل ، والأول أولى ، لأن تفرع ( فكان من المغرقين ) عليه يدل على الأول لا على الثاني ، لأن الجبل ليس بعاصم . قوله ( وقيل يا أرض ابلعي ماءك ) يقال : بلع الماء يبلعه مثل منع يمنع ، وبلع يبلع مثل حمد يحمد لغتان حكاهما الكسائي والفراء : والبلع الشرب ، ومنه البالوعة ، وهي الموضع الذي يشرب الماء ، والازدراد ، يقال : بلع ما في فمه من الطعام إذا ازدرده ، واستعير البلع الذي هو من فعل الحيوان للنشف دلالة على أن ذلك ليس كالنشف المعتاد الكائن على سبيل التدريج ( ويا سماء أقلعي ) الإقلاع الإمساك ، يقال أقلع المطر إذا انقطع . والمعنى : أمر السماء بإمساك الماء عن الإرسال ، وقدم نداء الأرض على السماء لكون ابتداء الطوفان منها ( وغيض الماء ) أي نقص ، يقال غاض الماء وغضته أنا ( وقضى الأمر ) أي أحكم وفرغ منه : يعني أهلك الله قوم نوح على تمام وإحكام ( واستوت على الجودي ) أي استقرت السفينة على الجبل المعروف بالجودي ، وهو جبل بقرب الموصل ، وقيل إن الجودي اسم لكل جبل ، ومنه قول زيد بن عمرو بن نفيل : سبحانه ثم سبحانا نعوذ به * وقبلنا سبح الجودي والجمد ويقال إنه من جبال الجنة فلذا استوت عليه ( وقيل بعدا للقوم الظالمين ) القائل هو الله سبحانه ليناسب صدر الآية ، وقيل هو نوح وأصحابه . والمعنى : وقيل هلاكا للقوم الظالمين ، وهو من الكلمات التي تختص بدعاء السوء ووصفهم بالظلم للإشعار بأنه علة الهلاك ، وللإيماء إلى قوله - ولا تخاطبني في الذين ظلموا - . وقد أطبق علماء البلاغة على أن هذه الآية الشريفة بالغة من الفصاحة والبلاغة إلى محل يتقاصر عنه الوصف ، وتضعف عن الإتيان بما يقاربه قدرة القادرين على فنون البلاغة ، الثابتين الأقدام في علم البيان ، الراسخين في علم اللغة ، المطلعين على ما هو مدون من خطب مصاقع خطباء العرب وأشعار بواقع شعرائهم ، المرتاضين بدقائق علوم العربية وأسرارها . وقد تعرض لبيان بعض ما اشتملت عليه من ذلك جماعة منهم فأطالوا وأطابوا ، رحمنا الله وإياهم برحمته الواسعة . وقد أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ( فعلي إجرامي ) قال عملي ( وأنا برئ مما تجرمون ) أي مما تعملون .