الشوكاني

475

فتح القدير

من الأنفس أن تؤمن بالله إلا بإذنه : أي بتسهيله وتيسيره ومشيئته لذلك فلا يقع غير ما يشاؤه كائنا ما كان ( ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون ) أي العذاب أو الكفر أو الخذلان الذي هو سبب العذاب . وقرأ الحسن وأبو بكر والمفضل " ونجعل " بالنون . وفي الرجس لغتان ضم الراء وكسرها ، والمراد بالذين لا يعقلون : هم الكفار الذين لا يتعقلون حجج الله ولا يتفكرون في آياته ولا يتدبرون فيما نصبه لهم من الأدلة . وقد أخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن عساكر عن قتادة في قوله ( ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق ) قال : بوأهم الله الشام وبيت المقدس . وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الضحاك قال : منازل صدق مصر والشام . وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن زيد في قوله ( فما اختلفوا حتى جاءهم العلم ) قال : العلم كتاب الله الذي أنزله وأمره الذي أمرهم به . وقد ورد في الحديث أن اليهود اختلفوا على إحدى وسبعين فرقة ، وأن النصارى اختلفوا على اثنتين وسبعين فرقة ، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة ، وهو في السنن والمسانيد ، والكلام فيه يطول . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس في قوله ( فإن كنت في شك ) الآية ، قال : لم يشك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يسأل . وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة قال : ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : لا أشك ولا أسأل . وهو مرسل . وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله ( فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك ) قال : التوراة والإنجيل الذين أدركوا محمدا من أهل الكتاب وآمنوا به ، يقول : سلهم إن كنت في شك بأنك مكتوب عندهم . وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله ( إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ) قال : حق عليهم سخط الله بما عصوه . وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله ( فلولا كانت قرية آمنت ) يقول فما كانت قرية آمنت . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في الآية قال : لم يكن هذا في الأمم قبل قوم يونس لم ينفع قرية كفرت ثم آمنت حين عاينت العذاب إلا قوم يونس ، فاستثنى الله قوم يونس . قال : وذكر لنا أن قوم يونس كانوا بنينوى من أرض الموصل ، فلما فقدوا نبيهم قذف الله في قلوبهم التوبة فلبسوا المسوح وأخرجوا المواشي وفرقوا بين كل بهيمة وولدها ، فعجوا إلى الله أربعين صباحا ، فلما عرف الله الصدق من قلوبهم والتوبة والندامة على ما مضى منهم كشف عنهم العذاب بعد ما تدلي عليهم لم يكن بينهم وبين العذاب إلا ميل . وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : إن يونس دعا قومه ، فلما أبوا أن يجيبوه وعدهم العذاب ، فقال : إنه يأتيكم يوم كذا وكذا ، ثم خرج عنهم ، وكانت الأنبياء إذا وعدت قومها العذاب خرجت ، فلما أظلهم العذاب خرجوا ففرقوا بين المرأة وولدها ، وبين السخلة وولدها ، وخرجوا يعجون إلى الله ، وعلم الله منهم الصدق فتاب عليهم وصرف عنهم العذاب ، وقعد يونس في الطريق يسأل عن الخبر ، فمر به رجل فقال : ما فعل قوم يونس ؟ فحدثه بما صنعوا ، فقال : لا أرجع إلى قوم قد كذبتهم ، وانطلق مغاضيا : يعني مراغما . وأخرج أحمد في الزهد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير قال : غشي قوم يونس العذاب كما يغشى القبر بالثوب إذا دخل فيه صاحبه ومطرت السماء دما . وأخرج أحمد في الزهد وابن جرير عن ابن عباس أن العذاب كان هبط على قوم يونس لم يكن بينهم وبينه إلا قدر ثلثي ميل ، فلما دعوا كشفه الله عنهم . وأخرج أحمد في الزهد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي الجلد قال : لما غشي قوم يونس العذاب مشوا إلى شيخ من بقية علمائهم . فقالوا له ما ترى ؟ قال : قولوا يا حي حين لا حي ، ويا حي محيي