الشوكاني
471
فتح القدير
ميتا بالغرق ، وقيل المراد ليكون طرحك على الساحل وحدك دون المغرقين من قومك آية من آيات الله ، يعتبر بها الناس أو يعتبر بها من سيأتي من الأمم إذا سمعوا ذلك حتى يحذروا من التكبر والتجبر والتمرد على الله سبحانه ، فإن هذا الذي بلغ إلى ما بلغ إليه من دعوى الإلهية واستمر على ذلك دهرا طويلا كانت له هذه العاقبة القبيحة . وقرئ " لمن خلفك " على صيغة الفعل الماضي أي لمن يأتي بعدك من القرون أو من خلفك في الرياسة أو في السكون في المسكن الذي كنت تسكنه ( وإن كثيرا من الناس عن آياتنا ) التي توجب الاعتبار والتفكر وتوقظ من سنة الغفلة ( لغافلون ) عما توجبه الآيات ، وهذه الجملة تذييلية . وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله ( ربنا اطمس على أموالهم ) يقول : دمر على أموالهم وأهلكها ( واشدد على قلوبهم ) قال : اطبع ( فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم ) وهو الغرق . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن محمد بن كعب القرظي قال : سألني عمر بن عبد العزيز عن قوله ( ربنا اطمس على أموالهم ) فأخبرته أن الله طمس على أموال فرعون وآل فرعون حتى صارت حجارة ، فقال عمر : كما أنت حتى آتيك ، فدعا بكيس مختوم ففكه ، فإذا فيه الفضة مقطوعة كأنها الحجارة والدنانير والدراهم وأشباه ذلك من الأموال حجارة كلها . وقد روى أن أموالهم تحولت حجارة من طريق جماعة من السلف . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : قد أجيبت دعوتكما ، قال : فاستجاب له وحال بين فرعون وبين الإيمان . وأخرج أبو الشيخ عن أبي هريرة قال : كان موسى إذا دعا أمن هارون على دعائه يقول آمين . قال أبو هريرة : وهو اسم من أسماء الله ، فذلك قوله ( قد أجيبت دعوتكما ) . وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس نحوه . وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وأبو الشيخ عن عكرمة نحوه . وأخرج سعيد بن منصور عن محمد بن كعب القرظي نحوه أيضا . وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس قال : يزعمون أن فرعون مكث بعد هذه الدعوة أربعين سنة . وأخرج ابن جرير عن ابن جريج مثله . وأخرج الحكيم الترمذي عن مجاهد نحوه . وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس فاستقيما فامضيا لأمري ، وهي الاستقامة . وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال : العدو والعتو والعلو في كتاب الله التجبر . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : لما خرج آخر أصحاب موسى ودخل آخر أصحاب فرعون أوحى الله إلى البحر أن انطبق عليهم ، فخرجت أصبع فرعون بلا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل ، قال جبريل : فعرفت أن الرب رحيم وخفت أن تدركه الرحمة ، فرمسته بجناحي وقلت : الآن وقد عصيت قبل ؟ فلما خرج موسى وأصحابه قال من تخلف من قوم فرعون : ما غرق فرعون ولا أصحابه ، ولكنهم في جزائر البحر يتصيدون ، فأوحى الله إلى البحر أن الفظ فرعون عريانا ، فلفظه عريانا أصلع أخينس قصيرا فهو قوله ( فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية ) لمن قال : إن فرعون لم يغرق ، وكأن نجاة غيره لم تكن نجاة عافية ، ثم أوحى الله إلى البحر أن الفظ ما فيك فلفظهم على الساحل ، وكان البحر لا يلفظ غريقا في بطنه حتى يأكله السمك ، فليس يقبل البحر غريقا إلى يوم القيامة . وأخرج أحمد والترمذي وحسنه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أغرق الله فرعون فقال ( آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل ) قال لي جبريل : يا محمد لو رأيتني وأنا آخذ من حال البحر فأدسه في فيه مخافة أن تدركه الرحمة " وقد روى هذا الحديث الترمذي من غير وجه ، وقال حسن صحيح غريب ، وصححه أيضا الحاكم . وروى عن ابن عباس مرفوعا من طرق أخرى . وأخرج الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " قال لي جبريل : ما كان على الأرض شئ أبغض إلي من فرعون ، فلما آمن جعلت أحشو فاه حمأة وأنا أغطه