الشوكاني
429
فتح القدير
نتركهم يتحيرون في تطاولهم وتكبرهم وعدم قبولهم للحق استدراجا لهم منه سبحانه وخذلانا ، ثم بين الله سبحانه أنهم كاذبون في استعجال الشر ولو أصابهم ما طلبوه لأظهروا العجز والجزع فقال ( وإذا مس الإنسان الضر ) أي هذا الجنس الصادق على كل ما يحصل التضرر به ( دعانا لجنبه ) اللام للوقت كقوله جئته لشهر كذا ، أو في محل نصب على الحال بدلالة عطف قاعدا أو قائما عليه ، وتكون اللام بمعنى على : أي دعانا مضطجعا ( أو قاعدا أو قائما ) وكأنه قال : دعانا في جميع الأحوال المذكورة وغيرها ، وخص المذكورة بالذكر لأنها الغالب على الإنسان ، وما عداها نادر كالركوع والسجود ، ويجوز أن يراد أنه يدعو الله حال كونه مضطجعا غير قادر على القعود ، وقاعدا غير قادر على القيام ، وقائما غير قادر على المشي ، والأول أولى . قال الزجاج : إن تعديل أحوال الدعاء أبلغ من تعديد أحوال المضرة ، لأنه إذا كان داعيا على الدوام ، ثم نسي في وقت الرخاء كان أعجب . قوله ( فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه ) أي فلما كشفنا عنه ضره الذي مسه كما تفيده الفاء مضى على طريقته التي كان عليها قبل أن يمسه الضر ونسي حالة الجهد والبلاء ، أو مضى عن موقف الدعاء والتضرع لا يرجع إليه كأنه لا عهد له به كأنه لم يدعنا عند أن مسه الضر إلى كشف ذلك الضر الذي مسه . وقيل معنى ( مر ) استمر على كفره ولم يشكر ولم يتعظ . قال الأخفش : " أن " في ( كأن لم يدعنا ) هي المخففة من الثقيلة ، والمعنى : كأنه انتهى . والجملة التشبيهية في محل نصب على الحال ، وهذه الحالة التي ذكرها الله سبحانه للداعي لا تختص بأهل الكفر ، بل تتفق لكثير من المسلمين تلين ألسنتهم بالدعاء وقلوبهم بالخشوع والتذلل عند نزول ما يكرهون بهم . فإذا كشفه الله عنهم غفلوا عن الدعاء والتضرع ، وذهلوا عما يجب عليهم من شكر النعمة التي أنعم الله بها عليهم من إجابة دعائهم ورفع ما نزل بهم من الضر ودفع ما أصابهم من المكروه . وهذا مما يدل على أن الآية تعم المسلم والكافر كما يشعر به لفظ الناس ولفظ الإنسان ، اللهم أوزعنا شكر نعمك ، وأذكرنا الأحوال التي مننت علينا فيها بإجابة الدعاء ، حتى نستكثر من الشكر الذي لا نطيق سواه ولا نقدر على غيره ، وما أغناك عنه وأحوجنا في إليه و - لئن شكرتم لأزيدنكم - والإشارة بقوله ( كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون ) إلى مصدر الفعل المذكور بعده كما مر غير مرة أي مثل ذلك التزيين العجيب زين للمسرفين عملهم . والمسرف في اللغة : هو الذي ينفق المال الكثير لأجل الغرض الخسيس ، ومحل كذلك النصب على المصدرية . والتزيين هو إما من جهة الله تعالى على طريقة التحلية وعدم اللطف بهم ، أو من طريق الشيطان بالوسوسة ، أو من طريق النفس الأمارة بالسوء . والمعنى : أنه زين لهم الإعراض عن الدعاء والغفلة عن الشكر والاشتغال بالشهوات . ثم ذكر سبحانه ما يجرى مجرى الردع والزجر عما صنعه هؤلاء فقال ( ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا ) يعني الأمم الماضية من قبل هؤلاء الكفار المعاصرين للنبي صلى الله عليه وآله وسلم : أي أهلكناهم من قبل زمانكم ، وقيل الخطاب لأهل مكة على طريق الالتفات للمبالغة في الزجر ، و ( لما ) ظرف لأهلكنا : أي أهلكناهم حين فعلوا الظلم بالتكذيب ، والتجاري على الرسل ، والتطاول في المعاصي من غير تأخير لإهلاكهم كما أخرنا إهلاككم ، والواو في ( وجاءتهم رسلهم بالبيات ) للحال بإضمار قد : أي وقد جاءتهم رسلهم الذين أرسلناهم إليهم بالبينات : أي بالآيات البينات الواضحات للدلالة على صدق الرسل ، وقيل الواو للعطف على ( ظلموا ) والأول أولى ، وقيل المراد بالظلم هنا هو الشرك ، والواو في ( وما كانوا ليؤمنوا ) للعطف على ظلموا ، أو الجملة اعتراضية ، واللام لتأكيد النفي : أي وما صح لهم وما استقام أن يؤمنوا لعدم استعدادهم لذلك وسلب الألطاف عنهم ( كذلك نجزى القوم المجرمين ) أي مثل ذلك الجزاء نجزى القوم المجرمين ، وهو الاستئصال الكلي لكل مجرم ، وهذا وعيد شديد لمن كان في عصره من الكفار .