الشوكاني

430

فتح القدير

أو لكفار مكة على الخصوص ، ثم خاطب سبحانه الذين بعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال ( ثم جعلناكم خلائف ) أي استخلفناكم في الأرض بعد تلك القرون التي تسمعون أخبارها وتنظرون آثارها ، والخلائف جمع خليفة ، وقد تقدم الكلام عليه في آخر سورة الأنعام ، واللام في ( لننظر كيف تعملون ) لام كي : أي لكي ننظر كيف تعملون من أعمال الخير أو الشر ، و ( كيف ) في محل نصب بالفعل الذي بعده : أي لننظر أي عمل تعملونه ، أو في محل نصب على الحالية : أي على أي حالة تعملون الأعمال اللائقة بالاستخلاف ، ثم حكى الله سبحانه نوعا ثالثا من تعنتهم وتلاعبهم بآيات الله فقال ( وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ) وفيه التفات من الخطاب إلى الغيبة إعراضا عنهم ، والمراد بالآيات الآيات التي في الكتاب العزيز : أي وإذا تلا التالي عليهم آياتنا الدالة على إثبات التوحيد وإبطال الشرك حال كونها بينات : أي واضحات الدلالة على المطلوب ( قال الذين لا يرجون لقاءنا ) وهم المنكرون للمعاد ، وقد تقدم تفسيره قريبا : أي قالوا لمن يتلوها عليهم وهو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( ائت بقرآن غير هذا أو بدله ) طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما سمعوا ما غاظهم فيما تلاه عليهم من القرآن من ذم عبادة الأوثان ، والوعيد الشديد لمن عبدها أحد أمرين : إما الإتيان بقرآن غير هذا القرآن مع بقاء هذا القرآن على حاله ، وإما تبديل هذا القرآن بنسخ بعض آياته أو كلها ووضع أخرى مكانها مما يطابق إرادتهم ويلائم غرضهم ، فأمره الله أن يقول في جوابهم ( ما يكون لي ) أي ما ينبغي لي ولا يحل لي أن أبدله من تلقاء نفسي ، فنفى عن نفسه أحد القسمين ، وهو التبديل لأنه الذي يمكنه لو كان ذلك جائزا ، بخلاف القسم الآخر وهو الإتيان بقرآن آخر ، فإن ذلك ليس في وسعه ولا يقدر عليه . وقيل إنه صلى الله عليه وآله وسلم نفى عن نفسه أسهل القسمين ليكون دليلا على نفي أصعبهما بالطريق الأولى ، وهذا منه صلى الله عليه وآله وسلم من باب مجاراة السفهاء ، إذ لا يصدر مثل هذا الاقتراح عن العقلاء بعد أن أمره الله سبحانه بذلك . وهو أعلم بمصالح عباده وبما يدفع الكفار عن هذه الطلبات الساقطة والسؤالات الباردة ، و ( تلقاء ) مصدر استعمل ظرفا ، من قبل نفسي . قال الزجاج : سألوه إسقاط ما فيه من ذكر البعث والنشور ، وقيل سألوه أن يسقط ما فيه من عيب آلهتهم وتسفيه أحلامهم ، وقيل سألوه أن يحول الوعد وعيدا والحرام حلالا والحلال حراما ، ثم أمره أن يؤكد ما أجاب به عليهم من أنه ما صح له ولا استقام أن يبدله من تلقاء نفسه بقوله ( إن أتبع إلا ما يوحى إلي ) أي ما أتبع شيئا من الأشياء إلا ما يوحى إلي من عند الله سبحانه من غير تبديل ولا تحويل ولا تحريف ولا تصحيف ، فقصر حاله صلى الله عليه وآله وسلم على اتباع ما يوحى إليه ، وربما كان مقصد الكفار بهذا السؤال التعريض للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن القرآن كلامه وأنه يقدر على الإتيان بغيره والتبديل له ، ثم أمره الله سبحانه أن يقول لهم تكميلا للجواب عليهم ( إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم ) فإن هذه الجملة كالتعليل لما قدمه من الجواب قبلها . واليوم العظيم هو يوم القيامة : أي ( إني أخاف إن عصيت ربي ) بفعل ما تطلبون على تقدير إمكانه عذاب يوم القيامة ، ثم أكد سبحانه كون هذا القرآن من عند الله وأنه صلى الله عليه وآله وسلم إنما يبلغ إليهم منه ما أمره الله بتبليغه لا يقدر على غير ذلك ، فقال ( قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ) أي أن هذا القرآن المتلو عليكم هو بمشيئة الله وإرادته ولو شاء الله أن لا أتلوه عليكم ولا أبلغكم إياه ما تلوته ، فالأمر كله منوط بمشيئة الله ليس لي في ذلك شئ قوله ( ولا أدراكم به ) معطوف على ما تلوته ، ولو شاء الله ما أدراكم بالقرآن : أي ما أعلمكم به على لساني يقال : دريت الشئ وأدراني الله به . هكذا قرأ الجمهور بالألف من أدراه يدريه أعلمه يعلمه . وقرأ ابن كثير ( ولأدراكم به ) بغير ألف بين اللام والهمزة . والمعنى : ولو شاء الله لأعلمكم به من غير أن أتلوه عليكم ، فتكون اللام لام