الشوكاني

422

فتح القدير

المتقدمة ، فإن تلك إشارة إلى غائب مؤنث ، وقيل ( تلك ) بمعنى هذه : أي هذه آيات الكتاب الحكيم ، وهو القرآن ، ويؤيد كون الإشارة إلى القرآن أنه لم يجر للكتب المتقدمة ذكر ، وأن الحكيم من صفات القرآن لا من صفات غيره ، و ( الحكيم ) المحكم بالحلال والحرام والحدود والأحكام ، قاله أبو عبيدة وغيره ، وقيل الحكيم معناه الحاكم فهو فعيل بمعنى فاعل كقوله - وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه - ، وقيل الحكيم بمعنى المحكوم فيه فهو فعيل بمعنى مفعول : أي حكم الله فيه بالعدل والإحسان ، قاله الحسن وغيره ، وقيل الحكيم ذو الحكمة لاشتماله عليها والاستفهام في قوله ( أكان للناس عجبا ) لإنكار العجب مع ما يفيده من التقريع والتوبيخ ، واسم كان ( أن أوحينا ) وخبرها ( عجبا ) أي أكان إيحاؤنا عجبا للناس . وقرأ ابن مسعود " عجب " على أنه اسم كان ، على أن كان تامة ، و ( أن أوحينا ) بدل من عجب . وقرئ بإسكان الجيم من " رجل " في قوله ( إلى رجل منهم ) أي من جنسهم وليس في هذا الإيحاء إلى رجل من جنسهم ما يقتضى العجب فإنه لا يلابس الجنس ويرشده ويخبره عن الله سبحانه إلا من كان من جنسه ، ولو كان من غير جنسهم لكان من الملائكة أو من الجن ويتعذر المقصود حينئذ من الإرسال ، لأنهم لا يأنسون إليه ولا يشاهدونه ، ولو فرضنا تشكله لهم وظهوره ، فإما أن يظهر في غير شكل النوع الإنساني ، وذلك أوحش لقلوبهم وأبعد من أنسهم ، أو في الشكل الإنساني فلا بد من إنكارهم لكونه في الأصل غير إنسان ، هذا إن كان العجب منهم لكونه من جنسهم ، وإن كان لكونه يتيما أو فقيرا ، فذلك لا يمنع من أن يكون من كان كذلك جامعا من خصال الخير والشرف ما لا يجمعه غيره وبالغا في كمال الصفات إلى حد يقصر عنه من كان غنيا ، أو كان غير يتيم ، وقد كان لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبل أن يصطفيه الله بإرساله من خصال الكمال عند قريش ما هو أشهر من الشمس وأظهر من النهار ، حتى كانوا يسمونه الأمين ، قوله ( أن أنذر الناس ) في موضع نصب بنزع الخافض : أي بأن أنذر الناس ، وقيل هي المفسرة لأن في الإيحاء معنى القول ، وقيل : هي المخففة من الثقيلة . قوله ( قدم صدق ) أي منزل صدق ، وقال الزجاج : درجة عالية ، ومنه قول ذي الرمة : لكم قدم لا ينكر الناس أنها * مع الحسب العالي طمت على البحر وقال ابن الأعرابي : القدم المتقدم في الشرف ، وقال أبو عبيدة والكسائي : كل سابق من خير أو شر فهو عند العرب قدم ، يقال : لفلان قدم في الإسلام ، وله عندي قدم صدق ، وقدم خير ، وقدم شر ، ومنه قول العجاج : زل بنو العوام عند آل الحكم * وتركوا الملك لملك ذي قدم وقال ثعلب : القدم كل ما قدمت من خير ، وقال ابن الأنباري : القدم كناية عن العمل الذي لا يقع فيه تأخير ولا إبطاء ، وقال قتادة : سلف صدق ، وقال الربيع : ثواب صدق ، وقال الحسن : هو محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وقال الحكيم الترمذي : قدمه صلى الله عليه وآله وسلم في المقام المحمود ، وقال مقاتل : أعمالا قدموها واختاره ابن جرير ، ومنه قول الوضاح : صل لذي العرش واتخذ قدما * ينجيك يوم الحصام والزلل وقيل غير ما تقدم مما لا حاجة إلى التطويل بإيراده . قوله ( قال الكافرون إن هذا لسحر مبين ) . قرأ ابن كثير وعاصم وحمزة والكسائي وخلف والأعمش وابن محيصن " لساحر " على أنهم أرادوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم باسم الإشارة . وقرأ الباقون " لسحر " على أنهم أرادوا القرآن ، وقد تقدم معنى السحر في البقرة ، وجملة ( قال الكافرون ) مستأنفة كأنه قيل : ماذا صنعوا بعد التعجب ، وقال القفال : فيه إضمار ، والتقدير : فلما أنذرهم قال