الشوكاني

423

فتح القدير

الكافرون ذلك . تم إن الله سبحانه جاء بكلام يبطل به العجب الذي حصل للكفار من الإيحاء إلى رجل منهم فقال ( إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ) أي من كان له هذا الاقتدار العظيم الذي تضيق العقول عن تصوره كيف يكون إرساله لرسول إلى الناس من جنسهم محلا للتعجب مع كون الكفار يعترفون بذلك ، فيكف لا يعترفون بصحة هذه الرسالة بهذا الرسول ، وقد تقدم تفسير هذه الآية في الأعراف في قوله - إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش - فلا نعيده هنا ، ثم ذكر ما يدل على مزيد قدرته وعظيم شأنه فقال ( يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ) وترك العاطف ، لأن جملة يدبر كالتفسير والتفصيل لما قبلها ، وقيل هي في محل نصب على الحال من ضمير استوى ، وقيل مستأنفة جواب سؤال مقدر ، وأصل التدبير النظر في أدبار الأمور وعواقبها لتقع على الوجه المقبول ، وقال مجاهد : يقضيه ويقدره وحده ، وقيل يبعث الأمر ، وقيل ينزل الأمر ، وقيل يأمر به ويمضيه ، والمعنى متقارب ، واشتقاقه من الدبر ، والأمر الشأن ، وهو أحوال ملكوت السماوات والأرض والعرش وسائر الخلق ، قال الزجاج : إن الكفار الذين خوطبوا بهذه الآية كانوا يقولون إن الأصنام شفعاؤنا عند الله ، فرد الله عليهم بأنه ليس لأحد أن يشفع إليه في شئ إلا بعد إذنه ، لأنه أعلم بموضع الحكمة والصواب . وقد تقدم معنى الشفاعة في البقرة ، وفي هذا بيان لاستبداده بالأمور في كل شئ سبحانه وتعالى ، والإشارة بقوله ( ذلكم ) إلى فاعل هذه الأشياء من الخلق والتدبير : أي الذي فعل هذه الأشياء العظيمة ( الله ربكم ) واسم الإشارة مبتدأ وخبره الاسم الشريف ، وربكم بدل منه أو بيان له أو خبر ثان ، وفي هذه الجملة زيادة تأكيد لقوله ( إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض ) ثم أمرهم سبحانه بعبادته بعد أن بين لهم أنه الحقيق بها دون غيره لبديع صنعه وعظيم اقتداره ، فكيف يعبدون الجمادات التي لا تسمع ولا تبصر ولا تنفع ولا تضر ؟ والاستفهام في قوله ( أفلا تذكرون ) للإنكار والتوبيخ والتقريع ، لأن من له أدنى تذكر وأقل اعتبار يعلم بهذا ولا يخفى عليه ، ثم بين لهم ما يكون آخر أمرهم بعد الحياة الدنيا ، فقال ( إليه مرجعكم جميعا ) وفي هذا من التهديد والتخويف ما لا يخفى ، وانتصاب ( وعد الله ) على المصدر ، لأن في قوله ( إليه مرجعكم جميعا ) معنى الوعد أو هو منصوب بفعل مقدر ، والمراد بالمرجع الرجوع إليه سبحانه إما بالموت أو بالبعث أو بكل واحد منهما ، ثم أكد ذلك الوعد بقوله ( حقا ) فهو تأكيد لتأكيد فيكون في الكلام من الوكادة ما هو الغاية في ذلك . وقرأ ابن أبي عبلة ( وعد الله حق ) على الاستئناف ، ثم علل سبحانه ما تقدم بقوله ( إنه يبدأ الخلق ثم يعيده ) أي إن هذا شأنه يبتدئ خلقه من التراب ثم يعيده إلى التراب ، أو معنى الإعادة الجزاء يوم القيامة . قال مجاهد : ينشئه ثم يميته ، ثم يحييه للبعث ، وقيل ينشئه من الماء ثم يعيده من حال إلى حال . وقرأ يزيد بن القعقاع : أنه يبدأ الخلق بفتح الهمزة ، فتكون الجملة في موضع نصب بما نصب به وعد الله : أي وعدكم أنه يبدأ الخلق ثم يعيده ، ويجوز أن يكون التقدير لأنه يبدأ الخلق ، وأجاز الفراء أن تكون " أن " في موضع رفع فتكون اسما . قال أحمد بن يحيى بن ثعلب يكون التقدير حقا إبداؤه الخلق ، ثم ذكر غاية ما يترتب على الإعادة فقال ( ليجزى الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط ) أي بالعدل الذي لا جور فيه ( والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون ) يحتمل أن يكون الموصول الآخر معطوفا على الموصول الأول : أي ليجزى الذين آمنوا ويجزى الذين كفروا وتكون جملة ( لهم شراب من حميم ) في محل نصب على الحال هي وما عطف عليها : أي وعذاب أليم ويكون التقدير هكذا ويجزى الذين كفروا حال كون لهم هذا الشراب وهذا العذاب ، ولكن يشكل على ذلك أن هذا الشراب وهذا العذاب الأليم هما من الجزاء ، ويمكن أن يقال : إن الموصول في ( والذين كفروا ) مبتدأ وما بعده خبره ، فلا يكون معطوفا