الشوكاني
414
فتح القدير
منهم ( إن الله هو التواب ) أي الكثير القبول لتوبة التائبين ، ( الرحيم ) أي الكثير الرحمة لمن طلبها من عباده . قوله ( وكونوا مع الصادقين ) هذا الأمر بالكون مع الصادقين بعد قصة الثلاثة فيه الإشارة إلى أن هؤلاء الثلاثة حصل لهم بالصدق ما حصل من توبة الله ، وظاهر الآية الأمر للعباد على العموم . وقد أخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله ( وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم ) قال : نزلت حين أخذوا الفداء من المشركين يوم الأسارى . قال : لم يكن لكم أن تأخذوه حتى يؤذن لكم ، ولكن ما كان الله ليعذب قوما بذنب أذنبوه ( حتى يبين لهم ما يتقون ) قال : حتى ينهاهم قبل ذلك . وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في الآية قال : بيان الله للمؤمنين في الاستغفار للمشركين خاصة ، وفي بيانه طاعته ومعصيته غامض ما فعلوا أو تركوا . وأخرج ابن جرير وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي والضياء في المختارة عن ابن عباس أنه قال لعمر بن الخطاب : حدثنا من شأن ساعة العسرة ، فقال : خرجنا مع رسول الله إلى تبوك في قيظ شديد ، فنزلنا منزلا فأصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع ، حتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه ويجعل ما بقي على كبده ، فقال أبو بكر الصديق : يا رسول الله إن الله قد عودك في الدعاء خيرا فادع لنا ، فرفع يديه فلم يرجعهما حتى قالت السماء ، فأهطلت ثم سكبت ، فملأوا ما معهم ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر . وقد وقع الاتفاق بين الرواة أن ساعة العسرة هي غزوة تبوك . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن منده وأبو الشيخ وابن مردويه وابن عساكر عن جابر بن عبد الله في قوله ( وعلى الثلاثة الذين خلفوا ) قال : كعب بن مالك ، وهلال بن أمية ، ومرارة بن الربيع ، وكلهم من الأنصار . وأخرج ابن منده وابن عساكر عن ابن عباس مثله . وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن كعب بن مالك قال : لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في غزوة غزاها قط إلا في غزوة تبوك ، غير أني كنت تخلفت في غزوة بدر ولم يعاتب أحدا تخلف عنها ، إنما خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يريد عير قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد ، ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليلة العقبة حين توافقنا على الإسلام وما أحب أن لي بها مشهد بدر ، وإن كانت بدر أذكر منها في الناس وأشهر ، ثم ذكر القصة الطويلة المشهورة في كتب الحديث والسير ، وهي معلومة عند أهل العلم فلا نطول بذكرها . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الضحاك في قوله ( وعلى الثلاثة الذين خلفوا ) قال : يعني خلفوا عن التوبة لم يتب عليهم حين تاب الله على أبي لبابة وأصحابه . وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ وابن عساكر عن عكرمة نحوه . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن نافع في قوله ( وكونوا مع الصادقين ) قال : نزلت في الثلاثة الذين خلفوا ، قيل لهم كونوا مع محمد وأصحابه . وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير في قوله ( وكونوا مع الصادقين ) قال : مع أبي بكر وعمر . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن عساكر عن الضحاك في الآية قال : مع أبي بكر وعمر وأصحابهما . وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : مع علي بن أبي طالب . وأخرج ابن عساكر عن أبي جعفر قال : مع الثلاثة الذين خلفوا .