الشوكاني
415
فتح القدير
سورة براءة الآية ( 120 - 121 ) في قوله ( ما كان لأهل المدينة الخ ) زيادة تأكيد لوجوب الغزو مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتحريم التخلف عنه : أي ما صح وما استقام لأهل المدينة ( ومن حولهم من الأعراب ) كمزينة وجهينة وأشجع وأسلم وغفار ( أن يتخلفوا عن رسول الله ) صلى الله عليه وآله وسلم في غزوة تبوك ، وإنما خصهم الله سبحانه لأنهم قد استنفروا فلم ينفروا ، بخلاف غيرهم من العرب فإنهم لم يستنفروا مع كون هؤلاء لقربهم وجوارهم أحق بالنصرة والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ) أي وما كان لهم أن يرغبوا بأنفسهم عن نفسه فيشحون بها ويصونونها ، ولا يشحون بنفس رسول الله ويصونونها كما شحوا بأنفسهم وصانوها ، يقال رغبت عن كذا : أي ترفعت عنه ، بل واجب عليهم أن يكابدوا معه المشاق ، ويجاهدوا بين يديه أهل الشقاق ، ويبذلوا أنفسهم دون نفسه ، وفي هذا الإخبار معنى الأمر لهم مع ما يفيده إيراده على هذه الصيغة من التوبيخ لهم والتقريع الشديد ، والتهييج لهم ، والإزراء عليهم ، والإشارة بقوله ( ذلك ) إلى ما يفيده السياق من وجوب المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أي ذلك الوجوب عليهم بسبب أنهم مثابون على أنواع المتاعب وأصناف الشدائد . والظمأ : العطش ، والنصب : التعب ، والمخمصة : المجاعة الشديدة التي يظهر عندها ضمور البطن . وقرأ عبيد بن عمير " ظماء " بالمد . وقرأ غيره بالقصر ، وهما لغتان مثل خطأ وخطاء ، و ( لا ) في هذه المواضع زائدة للتأكيد ، ومعنى ( في سبيل الله ) في طاعة الله . قوله ( ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار ) أي لا يدوسون مكانا من أمكنة الكفار بأقدامهم أو بحوافر خيولهم أو بأخفاف رواحلهم ، فيحصل بسبب ذلك الغيظ للكفار . والموطئ : اسم مكان ، ويجوز أن يكون مصدرا ( ولا ينالون من عدو نيلا ) أي يصيبون من عدوهم قتلا أو أسرا أو هزيمة أو غنيمة ، وأصله من نلت الشئ أنال : أي أصيب . قال الكسائي : هو من قولهم أمر منيل منه . وليس هو من التناول ، إنما التناول من نلته بالعطية . قال غيره : نلت أنول من العطية ، ونلته أناله : أدركته . والضمير في ( به ) يعود إلى كل واحد من الأمور المذكورة ، والعمل الصالح : الحسنة المقبولة : أي إلا كتبه الله لهم حسنة مقبولة يجازيهم بها ، وجملة ( إن الله لا يضيع أجر المحسنين ) في حكم التعليل لما سبق مع كونه يشمل كل محسن ويصدق على المذكورين هنا صدقا أوليا . قوله ( ولا ينفقون نفقة ) معطوف على ما قبله : أي ولا يقع منهم الإنفاق في الحرب وإن كان شيئا صغيرا يسيرا ( ولا يقطعون واديا ) وهو في الأصل كل منفرج بين جبال وآكام يكون منفذا للسيل ، والعرب تقول : واد وأودية على غير قياس . قال النحاس : ولا يعرف فيما علمت فاعل وأفعلة ( إلا كتب لهم ) أي كتب لهم ذلك الذي عملوه من النفقة والسفر في الجهاد ( ليجزيهم الله ) به ( أحسن ما كانوا يعملون ) أي أحسن جزاء ما كانوا يعملون من الأعمال ، ويجوز أن يكون في قوله ( إلا كتب لهم ) ضمير يرجع إلى عمل صالح . وقد ذهب جماعة إلى أن هذه الآية منسوخة بالآية المذكورة بعدها وهي قوله ( وما كان المؤمنون لينفروا كافة ) فإنها تدل على جواز التخلف من البعض مع القيام بالجهاد من البعض ، وسيأتي . وقد أخرج ابن أبي حاتم من طريق عمر بن مالك عن بعض الصحابة قال : لما نزلت ( ما كان لأهل المدينة )