الشوكاني

407

فتح القدير

في قوله ( لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم ) قال : يعني الشك ( إلا أن تقطع قلوبهم ) يعني الموت . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن حبيب بن أبي ثابت في قوله ( ريبة في قلوبهم ) قال : غيظا في قلوبهم ( إلا أن تقطع قلوبهم ) قال : إلى أن يموتوا . وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان في قوله ( إلا أن تقطع قلوبهم ) قال : إلا أن يتوبوا . سورة براءة الآية ( 111 - 112 ) لما شرح فضائح المنافقين وقبائحهم بسبب تخلفهم عن غزوة تبوك ، وذكر أقسامهم ، وفرع على كل قسم منها ما هو لائق به عاد على بيان فضيلة الجهاد والترغيب فيه ، وذكر الشراء تمثيل كما في قوله - أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى - مثل سبحانه إثابة المجاهدين بالجنة على بذلهم أنفسهم وأموالهم في سبيل الله بالشراء ، وأصل الشراء بين العباد هو إخراج الشئ عن الملك بشئ آخر مثله أو دونه أو أنفع منه ، فهؤلاء المجاهدون باعوا أنفسهم من الله بالجنة التي أعدها للمؤمنين : أي بأن يكونوا من جملة أهل الجنة ، وممن يسكنها فقد جادوا بأنفسهم ، وهي أنفس الأعلاق ، والجود بها غاية الجود : يجود بالنفس إن ضن الجبان بها * والجود بالنفس أقصى غاية الجود وجاد الله عليهم بالجنة ، وهي أعظم ما يطلبه العباد ، ويتوسلون إليه بالأعمال ، والمراد بالأنفس هنا أنفس المجاهدين ، وبالأموال ما ينفقونه في الجهاد . قوله ( يقاتلون في سبيل الله ) بيان للبيع الذي يقتضيه الاشتراء المذكور كأنه قيل كيف يبيعون أنفسهم وأموالهم بالجنة ؟ فقيل يقاتلون في سبيل الله ، ثم بين هذه المقاتلة في سبيل الله بقوله ( فيقتلون ويقتلون ) والمراد أنهم يقدمون على قتل الكفار في الحرب ويبذلون أنفسهم في ذلك ، فإن فعلوا فقد استحقوا الجنة ، وإن لم يقع القتل عليهم بعد الإبلاء في الجهاد والتعرض للموت بالإقدام على الكفار . قرأ الأعمش والنخعي وحمزة والكسائي " وخلف " بتقديم المبني للمفعول على المبني للفاعل . وقرأ الباقون بتقديم المبني للفاعل على المبني للمفعول . وقوله ( وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ) إخبار من الله سبحانه أن فريضة الجهاد واستحقاق الجنة بها قد ثبت الوعد بها من الله في التوراة والإنجيل كما وقع في القرآن ، وانتصاب وعدا وحقا على المصدرية أو الثاني نعت للأول ، وفي التوراة متعلق بمحذوف : أي وعدا ثابتا فيها . قوله ( ومن أوفى بعهده من الله ) في هذا من تأكيد الترغيب للمجاهدين في الجهاد ، والتنشيط لهم على بذل الأنفس والأموال مالا يخفى فإنه أولا أخبر بأنه قد اشترى منهم أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ، وجاء بهذه العبارة الفخيمة ، وهي كون الجنة قد صارت ملكا لهم ، ثم أخبر ثانيا بأنه قد وعد بذلك في كتبه المنزلة ، ثم أخبر بأنه بعد هذا الوعد الصادق لا بد من حصول الموعود به فإنه لا أحد أوفى بعهده من الله سبحانه ، وهو صادق الوعد لا يخلف الميعاد ، ثم زادهم سرورا وحبورا ، فقال