الشوكاني

408

فتح القدير

( فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به ) أي أظهروا السرور بذلك ، والبشارة هي إظهار السرور ، وظهوره يكون في بشرة الوجه ، ولذا يقال أسارير الوجه : أي التي يظهر فيها السرور . وقد تقدم إيضاح هذا ، والفاء لترتيب الاستبشار على ما قبله . والمعنى : أظهروا السرور بهذا البيع الذي بايعتم به الله عز وجل فقد ربحتم فيه ربحا لم يربحه أحد من الناس إلا من فعل مثل فعلكم ، والإشارة بقوله ( ذلك ) إلى الجنة ، أو إلى نفس البيع الذي ربحوا فيه الجنة ، ووصف الفوز وهو الظفر بالمطلوب بالعظم يدل على أنه فوز لا فوز مثله . قوله ( التائبون ) خبر مبتدأ محذوف : أي هم التائبون ، يعني المؤمنون ، والتائب الراجع : أي هم الراجعون إلى طاعة الله عن الحالة المخالفة للطاعة . وقال الزجاج : الذي عندي أن قوله ( التائبون العابدون ) رفع بالابتداء وخبره مضمر : أي التائبون ومن بعدهم إلى آخر الآية لهم الجنة أيضا وإن لم يجاهدوا : قال : وهذا أحسن ، إذ لو كانت هذه أوصافا للمؤمنين المذكورين في قوله ( اشترى من المؤمنين ) لكان الوعد خاصا بمجاهدين . وقد ذهب إلى ما ذهب إليه الزجاج من أن هذا الكلام منفصل عما قبله طائفة من المفسرين ، وذهب آخرون إلى أن هذه الأوصاف راجعة إلى المؤمنين في الآية الأولى ، وأنها على جهة الشرط : أي لا يستحق الجنة بتلك المبايعة إلا من كان من المؤمنين على هذه الأوصاف . وفي مصحف عبد الله بن مسعود : التائبين العابدين إلى آخرها - وفيه وجهان : أحدهما أنها أوصاف المؤمنين . الثاني أن النصب على المدح . وقيل إن ارتفاع هذه الأوصاف على البدل من ضمير يقاتلون ، وجوز صاحب الكشاف أن يكون التائبون مبتدأ ، وخبره العابدون ، وما بعده أخبار كذلك : أي التائبون من الكفر على الحقيقة الجامعون لهذه الخصال ، وفيه من البعد ما لا يخفى ، والعابدون القائمون بما أمروا به من عبادة الله مع الإخلاص . و ( الحامدون ) الذين يحمدون الله سبحانه على السراء والضراء ، و ( السائحون ) قيل : هم الصائمون . وإليه ذهب جمهور المفسرين ، ومنه قوله تعالى - عابدات سائحات - وإنما قيل للصائم سائح ، لأنه يترك اللذات كما يتركها السائح في الأرض ، ومنه قول أبي طالب بن عبد المطلب : وبالسائحين لا يذوقون فطرة * لربهم والراكدات العوامل وقال آخر : تراه يصلي ليله ونهاره * يظل كثير الذكر لله سائحا قال الزجاج : ومذهب الحسن أن السائحين هاهنا هم الذين يصومون الفرض ، وقيل إنهم الذين يديمون الصيام . وقال عطاء : السائحون المجاهدون . وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : السائحون المهاجرون . وقال عكرمة : هم الذين يسافرون لطلب الحديث والعلم . وقيل هم الجائلون بأفكارهم في توحيد ربهم وملكوته وما خلق من العبر ، والسياحة في اللغة أصلها الذهاب على وجه الأرض كما يسيح الماء ، وهي مما يعين العبد على الطاعة لانقطاعه عن الخلق ، ولما يحصل له من الاعتبار بالتفكر في مخلوقات الله سبحانه ، و ( الراكعون الساجدون ) معناه المصلون ، و ( الآمرون بالمعروف ) القائمون بأمر الناس بما هو معروف في الشريعة ( والناهون عن المنكر ) القائمون بالإنكار على من فعل منكرا : أي شيئا ينكره الشرع ( والحافظون لحدود الله ) القائمون بحفظ شرائعه التي أنزلها في كتبه وعلى لسان رسله ، وإنما أدخل الواو في الوصفين الآخرين ، وهما ( والناهون عن المنكر والحافظون ) الخ ، لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمنزلة خصلة واحدة ، ثم عطف عليه الحافظون بالواو لقربه ، وقيل إن العطف في الصفات يجئ بالواو وبغيرها كقوله - غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب - ، وقيل إن الواو زائدة ، وقيل هي واو الثمانية المعروفة عند النحاة ، كما في قوله تعالى - ثيبات وأبكارا - ، وقوله - وفتحت أبوابها - ، وقوله