الشوكاني

406

فتح القدير

الله عليه وآله وسلم قد عين هذا المسجد الذي أسس على التقوى ، وجزم بأنه مسجده صلى الله عليه وآله وسلم كما قدمنا من الأحاديث الصحيحة ، فلا يقاوم ذلك قول فرد من الصحابة ولا جماعة منهم ولا غيرهم ولا يصح لإيراده في مقابلة ما قد صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ولا فائدة في إيراد ما ورد في فضل الصلاة في مسجد قباء ، فإن ذلك لا يستلزم كونه المسجد الذي أسس على التقوى ، على أن ما ورد في فضائل مسجده صلى الله عليه وآله وسلم أكثر مما ورد في فضل مسجد قباء بلا شك ولا شبهة تعم . وأخرج أبو داود والترمذي وابن ماجة وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : نزلت هذه الآية في أهل قباء ( فيه رجال يحبون أن يتطهروا ) قال : وكانوا يستنجون بالماء فنزلت فيهم هذه الآية ، وفي إسناده يونس بن الحارث ، وهو ضعيف . وأخرج الطبراني وأبو الشيخ والحاكم وابن مردويه عن ابن عباس قال : لما نزلت هذه الآية ( فيه رجال يحبون أن يتطهروا ) بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى عويم بن ساعدة فقال : ما هذا الطهور الذي أثنى الله عليكم ؟ فقالوا : يا رسول الله ما خرج منا رجل ولا امرأة من الغائط إلا غسل فرجه أو قال : مقعدته ، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : هو هذا . وأخرج أحمد وابن خزيمة والطبراني والحاكم وابن مردويه عن عويم ابن ساعدة الأنصاري أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أتاهم في مسجد قباء فقال إن : الله قد أحسن عليكم الثناء في الطهور في قصة مسجدكم ، فما هذا الطهور الذي تتطهرون به ؟ فقالوا : والله يا رسول الله ما نعلم شيئا إلا أنه كان لنا جيران من اليهود ، فكانوا يغسلون أدبارهم من الغائط فغسلنا كما غسلوا ، رواه أحمد عن حسن بن محمد . حدثنا أبو أويس حدثنا شرحبيل عن عويم بن ساعدة فذكره . وقد أخرجه ابن خزيمة في صحيحه . وأخرج ابن ماجة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الجارود في المنتقى والدارقطني والحاكم وابن مردويه وابن عساكر عن طلحة بن نافع قال : حدثني أبو أيوب وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك أن هذه الآية لما نزلت ( فيه رجال يحبون أن يتطهروا ) قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يا معشر الأنصار إن الله قد اثنى عليكم خيرا في الطهور فما طهوركم هذا ؟ قالوا : نتوضأ للصلاة ونغتسل من الجنابة ، قال : فهل مع ذلك غيره ؟ قالوا : لا ، غير أن أحدنا إذا خرج إلى الغائط أحب أن يستنجي بالماء ، قال : هو ذاك فعليكموه . وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري في تاريخه وابن جرير والبغوي في معجمه والطبراني وابن مردويه وأبو نعيم في المعرفة عن محمد بن عبد الله بن سلام عن أبيه قال : لما أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المسجد الذي أسس على التقوى مسجد قباء فقال : إن الله قد أثنى عليكم في الطهور خيرا أفلا تخبروني ؟ يعني قوله تعالى ( فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين ) فقالوا : يا رسول الله إنا لنجده مكتوبا علينا في التوراة الاستنجاء بالماء ، ونحن نفعله اليوم . وإسناد أحمد في هذا الحديث هكذا : حدثنا يحيى بن آدم حدثني مالك يعني ابن مغول سمعت سيارا أبا الحكم عن شهر بن حوشب عن محمد بن عبد الله بن سلام . وقد روى عن جماعة من التابعين في ذكر سبب نزول الآية نحو هذا ولا يخفاك أن بعض هذه الأحاديث ليس فيه تعيين مسجد قباء وأهله ، وبعضها ضعيف ، وبعضها لا تصريح فيه بأن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد قباء ، وعلى كل حال لا تقاوم تلك الأحاديث المصرحة بأن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم في صحتها وصراحتها . وأخرج بن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ( فانهار به في نار جهنم ) قال : يعني قواعده في نار جهنم . وأخرج مسدد في مسنده وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال : لقد رأيت الدخان يخرج من مسجد الضرار حيث انهار على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . وأخرج ابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس