الشوكاني
398
فتح القدير
لما ذكر سبحانه أصناف الأعراب ذكر المهاجرين والأنصار ، وبين أن منهم السابقين إلى الهجرة ، وأن منهم التابعين لهم . وروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قرأ ( والأنصار ) بالرفع عطفا على ( والسابقون ) وقرأ سائر القراء من الصحابة فمن بعدهم بالجر . قال : الأخفش : الخفض في الأنصار الوجه ، لأن السابقين منهم يدخلون في قوله ( والسابقون ) وفي الآية تفضيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار وهم الذين صلوا القبلتين في قول سعيد بن المسيب وطائفة ، أو الذين شهدوا بيعة الرضوان . وهي بيعة الحديبية في قول الشعبي ، أو أهل بدر في قول محمد بن كعب وعطاء بن يسار ، ولا مانع من حمل الآية على هذه الأصناف كلها ، قال أبو منصور البغدادي : أصحابنا مجمعون على أن أفضلهم الخلفاء الأربعة ، ثم الستة الباقون ، ثم البدريون ، ثم أصحاب أحد ، ثم أهل بيعة الرضوان بالحديبية . قوله ( والذين اتبعوهم بإحسان ) قرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه ( الذين اتبعوهم ) محذوف الواو وصفا للأنصار على قراءته برفع الأنصار ، فراجعه في ذلك زيد بن ثابت ، فسأل أبي بن كعب فصدق زيدا فرجع عمر عن القراءة المذكورة كما رواه أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه ، ومعنى الذين اتبعوهم بإحسان : الذين اتبعوا السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ، وهم المتأخرون عنهم من الصحابة فمن بعدهم إلى يوم القيامة ، وليس المراد بهم التابعين اصطلاحا ، وهم كل من أدرك الصحابة ولم يدرك النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، بل هم من جملة من يدخل تحت الآية ، فتكون " من " في قوله ( من المهاجرين ) على هذا للتبعيض ، وقيل إنها للبيان ، فيتناول المدح جميع الصحابة ويكون المراد بالتابعين من بعدهم من الأمة إلى يوم القيامة ، وقوله ( بإحسان ) قيد للتابعين : أي والذين اتبعوهم متلبسين بإحسان في الأفعال والأقوال اقتداء منهم بالسابقين الأولين . قوله ( رضي الله عنهم ) خبر للمبتدأ وما عطف عليه ، ومعنى رضاه سبحانه عنهم : أنه قبل طاعاتهم وتجاوز عنهم ولم يسخط عليهم ( ورضوا عنه ) بما أعطاهم من فضله ، ومع رضاه عنهم فقد ( أعد لهم جنات تجرى تحتها الأنهار ) في الدار الآخرة . وقرأ ابن كثير ( تجرى من تحتها الأنهار ) بزيادة من . وقرأ الباقون بحذفها والنصب على الظرفية ، وقد تقدم تفسير جرى الأنهار من تحت الجنات وتفسير الخلود والفوز . قوله ( وممن حولكم من الأعراب منافقون ) هذا عود إلى شرح أحوال المنافقين من أهل المدينة ومن يقرب منها من الأعراب . وممن حولكم خبر مقدم ، ومن الأعراب بيان ، وهو في محل نصب على الحال ، ومنافقون هو المبتدأ ، قيل وهؤلاء الذين هم حول المدينة من المنافقين هم جهينة ومزينة وأشجع وغفار ، وجملة ( ومن أهل المدينة مردوا على النفاق ) معطوفة على الجملة الأولى عطف جملة على جملة . وقيل إن من أهل المدينة عطف على الخبر في الجملة الأولى ، فعلى الأول يكون المبتدأ مقدرا : أي ومن أهل المدينة قوم مردوا على النفاق ، وعلى الثاني يكون التقدير : وممن حولكم من الأعراب ومن أهل المدينة منافقون مردوا ، ولكون جملة مردوا على النفاق مستأنفة لا محل لها ، وأصل مرد وتمرد اللين والملاسة والتجرد ، فكأنهم تجردوا للنفاق ، ومنه غصن أمرد : لا ورق عليه ، وفرس أمرد : لا شعر فيه . وغلام أمرد : لا شعر بوجهه ، وأرض مرداء : لا نبات فيها ، وصرح ممرد : مجرد ، فالمعنى : أنهم أقاموا على النفاق وثبتوا عليه ولم ينثنوا عنه . قال ابن زيد : معناه لجوا فيه وأتوا غيره ، وجملة ( لا تعلمهم ) مبينة للجملة الأولى ، وهي مردوا على النفاق : أي ثبتوا عليه ثبوتا شديدا ومهروا فيه حتى خفى أمرهم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فكيف سائر المؤمنين ؟ والمراد عدم علمه صلى الله عليه وآله وسلم بأعيانهم لا من حيث الجملة ، فإن للنفاق دلائل لا تخفى عليه صلى الله عليه وآله وسلم ، وجملة ( نحن نعلمهم ) مقررة لما قبلها لما فيها من الدلالة على مهارتهم في النفاق ورسوخهم فيه على وجه يخفى على البشر ، ولا يظهر لغير الله سبحانه لعلمه بما يخفى وما تجنه الضمائر وتنطوي عليه السرائر ، ثم توعدهم سبحانه فقال ( سنعذبهم مرتين ) قيل المراد بالمرتين : عذاب الدنيا بالقتل والسبي ، وعذاب