الشوكاني

399

فتح القدير

الآخرة ، وقيل لفضيحة بانكشاف نفاقهم ، والعذاب في الآخرة ، وقيل المصائب في أموالهم وأولادهم ، وعذاب القبر ، وقيل غير ذلك مما يطول ذكره مع عدم الدليل على أنه المراد بعينه . والظاهر أن هذا العذاب المكرر هو في الدنيا بما يصدق عليه اسم العذاب ، وأنهم يعذبون مرة بعد مرة ، ثم يردون بعد ذلك إلى عذاب الآخرة ، وهو المراد بقوله ( ثم يردون إلى عذاب عظيم ) ومن قال إن العذاب في المرة الثانية هو عذاب الآخرة قال معنى قوله ( ثم يردون إلى عذاب عظيم ) أنهم يردون بعد عذابهم في النار كسائر الكفار إلى الدرك الأسفل منها ، أو أنهم يعذبون في النار عذابا خاصا بهم دون سائر الكفار ، ثم يردون بعد ذلك إلى العذاب الشامل لهم ولسائر الكفار . ثم ذكر سبحانه حال طائفة من المسلمين وهم المخلطون في دينهم فقال ( وآخرون اعترفوا بذنوبهم ) وهو معطوف على قوله منافقون : أي وممن حولكم من الأعراب ومن أهل المدينة قوم آخرون ، ويجوز أن يكون آخرون مبتدأ ، واعترفوا بذنوبهم صفته ، وخلطوا عملا صالحا وآخر سيئا خبره ، والمعنى : أن هؤلاء الجماعة تخلفوا عن الغزو لغير عذر مسوغ للتخلف ثم ندموا على ذلك ، ولم يعتذروا بالأعذار الكاذبة كما اعتذر المنافقون ، بل تابوا واعترفوا بالذنب ورجوا أن يتوب الله عليهم . والمراد بالعمل الصالح : ما تقدم من إسلامهم وقيامهم بشرائع الإسلام وخروجهم إلى الجهاد في سائر المواطن . والمراد بالعمل السيئ : هو تخلفهم عن هذه الغزوة ، وقد أتبعوا هذا العمل السيئ عملا صالحا ، وهو الاعتراف به والتوبة عنه . وأصل الاعتراف الإقرار بالشيء ، ومجرد الإقرار لا يكون توبة إلا إذا اقترن به الندم على الماضي والعزم على تركه في الحال والاستقبال ، وقد وقع منهم ما يفيد هذا كما سيأتي بيانه إن شاء الله . ومعنى الخلط : أنهم خلطوا كل واحد منهما بالآخر كقولك خلطت الماء باللبن واللبن بالماء . ويجوز أن تكون الواو بمعنى الباء كقولك بعت الشاة شاة وردهما : أي بدرهم ، وفي قوله ( عسى الله أن يتوب عليهم ) دليل على أنه قد وقع منهم مع الاعتراف ما يفيد التوبة ، أو أن مقدمة التوبة وهي الاعتراف قامت مقام التوبة ، وحرف الترجي وهو عسى في كلام الله سبحانه يفيد تحقق الوقوع ، لأن الإطماع من الله سبحانه إيجاب لكونه أكرم الأكرمين ( إن الله غفور رحيم ) أي يغفر الذنوب ويتفضل على عباده . قوله ( خذ من أموالهم صدقة ) اختلف أهل العلم في هذه الصدقة المأمور بها ، فقيل : هي صدقة الفرض ، وقيل هي مخصوصة بهذه الطائفة المعترفة بذنوبها ، لأنهم بعد التوبة عليهم عرضوا أموالهم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فنزلت هذه الآية ، و ( من ) للتبعيض على التفسيرين ، والآية مطلقة مبينة بالسنة المطهرة ، والصدقة مأخوذة من الصدق ، إذ هي دليل على صدق مخرجها في إيمانه . قوله ( تطهرهم وتزكيهم بها ) الضمير في الفعلين للنبي صلى الله عليه وآله وسلم : أي تطهرهم وتزكيهم يا محمد بما تأخذه من الصدقة منهم . وقيل الضمير في تطهرهم للصدقة : أي تطهرهم هذه الصدقة المأخوذة منهم ، والضمير في تزكيهم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم : أي تزكيهم يا محمد بالصدقة المأخوذة ، والأول أولى لما في الثاني من الاختلاف في الضميرين في الفعلين المتعاطفين ، وعلى الأول فالفعلان منتصبان على الحال ، وعلى الثاني فالفعل الأول صفة لصدقة ، والثاني حال منه صلى الله عليه وآله وسلم . ومعنى التطهير : إذهاب ما يتعلق بهم من أثر الذنوب ، ومعنى التزكية : المبالغة في التطهير . قال الزجاج : والأجود أن تكون المخاطبة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم : أي فإنك يا محمد تطهرهم وتزكيهم بها على القطع والاستئناف ، ويجوز الجزم على جواب الأمر . والمعنى : أن تأخذ من أموالهم صدقة تطهرهم . وقد قرأ الحسن بجزم تطهرهم . وعلى هذه القراءة فيكون ( وتزكيهم ) على تقدير مبتدأ : أي وأنت تزكيهم بها . قوله ( وصل عليهم ) : أي ادع لهم بعد أخذك لتلك الصدقة من أموالهم . قال النحاس : وحكى أهل اللغة جميعا فيما علمناه أن الصلاة في كلام العرب الدعاء ، ثم علل سبحانه أمره لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم بالصلاة على من يأخذ منه الصدقة فقال ( إن صلواتك سكن