الشوكاني

392

فتح القدير

سورة براءة الآية ( 91 - 93 ) لما ذكر سبحانه المعذرون ذكر بعدهم أهل الأعذار الصحيحة المسقطة للغزو ، وبدأ بالعذر في أصل الخلقة . فقال ( ليس على الضعفاء ) وهم أرباب الزمانة والهرم والعمى والعرج ونحو ذلك ، ثم ذكر العذر العارض فقال ( ولا على المرضى ) والمراد بالمرض : كل ما يصدق عليه اسم المرض لغة أو شرعا ، وقيل إنه يدخل في المرضى الأعمى والأعرج ونحوهما . ثم ذكر العذر الراجع إلى المال لا إلى البدن فقال ( ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون ) أي ليست لهم أموال ينفقونها فيما يحتاجون إليه من التجهز للجهاد ، فنفى سبحانه عن هؤلاء الحرج ، وأبان أن الجهاد مع هذه الأعذار ساقط عنهم غير واجب عليهم مقيدا بقوله ( إذا نصحوا لله ورسوله ) وأصل النصح إخلاص العمل من الغش ، ومنه التوبة النصوح . قال نفطويه نصح الشئ : إذا خلص ، ونصح له القول : أي أخلصه له . والنصح لله : الإيمان به والعمل بشريعته . وترك ما يخالفها كائنا ما كان ، ويدخل تحته دخولا أوليا نصح عباده . ومحبة المجاهدين في سبيله وبذل النصيحة لهم في أمر الجهاد ، وترك المعاونة لأعدائهم بوجه من الوجوه ، ونصيحة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم : التصديق بنبوته وبما جاء به ، وطاعته في كل ما يأمر به أو ينهى عنه ، وموالاة من والاه ومعاداة من عاداه ، ومحبته وتعظيم سنته ، وإحياؤها بعد موته بما تبلغ إليه القدرة . وقد ثبت في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " الدين النصيحة ثلاثا ، قالوا : لمن ؟ قال : لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم " وجملة ( ما على المحسنين من سبيل ) مقررة لمضمون ما سبق : أي ليس على المعذورين الناصحين من سبيل : أي طريق عقاب ومؤاخذة ، ومن مزيدة للتأكيد ، وعلى هذا فيكون لفظ ( المحسنين ) موضوعا في موضع الضمير الراجع إلى المذكورين سابقا ، أو يكون المراد : ما على جنس المحسنين من سبيل وهؤلاء المذكورون سابقا من جملتهم ، فتكون الجملة تعليلية ، وجملة ( والله غفور رحيم ) تذييلية ، وفي معنى هذه الآية قوله تعالى - لا يكلف الله نفسا إلا وسعها - ، وقوله - ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج - ، وإسقاط التكليف عن هؤلاء المعذورين لا يستلزم عدم ثبوت ثواب الغزو لهم الذي عذرهم الله عنه مع رغبتهم إليه لولا حبسهم العذر عنه ، ومنه حديث أنس عند أبي داود وأحمد ، وأصله في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال " لقد تركتم بعدكم قوما ما سرتم من مسير ولا أنفقتم من نفقة ولا قطعتم واديا إلا وهم معكم فيه ، قالوا : يا رسول الله وكيف يكونون معنا وهم بالمدينة ؟ فقال : حبسهم العذر " وأخرجه أحمد ومسلم من حديث جابر ، ثم ذكر الله سبحانه من جملة المعذورين من تضمنه قوله ( ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه ) والعطف على حملة - ما على المحسنين - أي ولا على الذين إذا ما أتوك إلى آخره