الشوكاني

393

فتح القدير

من سبيل ، ويجوز أن تكون عطفا على الضعفاء : أي ولا على إذا ما أتوك إلى آخره حرج . والمعنى : أن من جملة المعذورين هؤلاء الذين أتوك لتحملهم على ما يركبون عليه في الغزو فلم تجد ذلك الذي طلبوه منك . قيل وجملة ( لا أجد ما أحملكم عليه ) في محل نصب على الحال من الكاف في أتوك بإضمار قد : أي إذا ما أتوك قائلا لا أجد ، وقيل هي بدل من أتوك ، وقيل جملة معترضة بين الشرط والجزاء ، والأول أولى . وقوله ( تولوا ) جواب إذا ، وجملة ( وأعينهم تفيض من الدمع ) في محل نصب على الحال : أي تولوا عنك لما قلت لهم لا أجد ما أحملكم عليه حال كونهم باكين ، و ( حزنا ) منصوب على المصدرية ، أو على العلية ، أو الحالية ، و ( أن لا يجدوا ) مفعول له ، وناصبه ( حزنا ) وقال الفراء : أن لا بمعنى ليس : أي حزنا أن ليس يجدوا ، وقيل المعنى : حزنا على أن لا يجدوا ، وقيل المعنى حزنا أنهم لا يجدون ما ينفقون لا عند أنفسهم ولا عندك . ثم ذكر الله سبحانه من عليه السبيل من المتخلفين فقال ( إنما السبيل ) أي طريق العقوبة والمؤاخذة ( على الذين يستأذنونك ) في التخلف عن الغزو ، ( و ) الحال أن‍ ( هم أغنياء ) أي يجدون ما يحملهم وما يتجهزون به ، وجملة ( رضوا بأن يكونوا مع الخوالف ) مستأنفة كأنه قيل ما بالهم استأذنوا وهم أغنياء . وقد تقدم تفسير الخوالف قريبا . وجملة ( وطبع الله على قلوبهم ) معطوفة على ( رضوا ) أي سبب الاستئذان مع الغنى أمران : أحدهما الرضا بالصفقة الخاسرة ، وهي أن يكونوا مع الخوالف والثاني الطبع من الله على قلوبهم ( فهم ) بسبب هذا الطبع ( لا يعلمون ) ما فيه الربح لهم حتى يختاروه على ما فيه الخسر . وقد أخرج ابن أبي حاتم والدارقطني في الإفراد وابن مردويه عن زيد بن ثابت قال : كنت أكتب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فنزلت براءة ، فكنت أكتب ما أنزل عليه ، فإني لواضع القلم عن أذني إذ أمرنا بالقتال ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ينظر إلى ما ينزل عليه إذ جاء أعمى فقال : كيف بي يا رسول الله وأنا أعمى ؟ فنزلت ( ليس على الضعفاء ) الآية . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة قال : أنزلت هذه الآية في عابد بن عمر المزني . وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال : نزل من عند قوله - عفا الله عنك إلى قوله - ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم - في المنافقين . وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك في قوله ( ما على المحسنين من سبيل ) قال : ما على هؤلاء من سبيل بأنهم نصحوا لله ورسوله ولم يطيقوا الجهاد ، فعذرهم الله وجعل لهم من الأجر ما جعل للمجاهدين ، ألم تسمع أن الله يقول - لا يستوى القاعدون من المؤمنين غير أولى الضرر - فجعل الله للذين عذر من الضعفاء ، وأولى الضرر ، والذين لا يجدون ما ينفقون من الأجر مثل ما جعل للمجاهدين . وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس في قوله ( ما على المحسنين من سبيل قال : والله ) لأهل الإساءة ( غفور رحيم ) وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله ( ولا على الذين إذا ما أتوك ) الآية ، قال : أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن ينبعثوا غازين معه ، فجاءت عصابة من أصحابه فيهم عبد الله بن مغفل المزني ، فقالوا : يا رسول الله احملنا ، فقال : والله ما أجد ما أحملكم عليه ، فتولوا ولهم بكاء وعزيز عليهم أن يجلسوا عن الجهاد ولا يجدون نفقة ولا محملا ، فأنزل الله عذرهم ( ولا على الذين إذا ما أتوك ) الآية . وأخرج ابن سعد وابن أبي حاتم وابن مردويه عن عبد الله بن مغفل قال : إني لا أجد الرهط الذين ذكر الله ( ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم ) الآية . وأخرج ابن جرير عن محمد بن كعب قال : هم سبعة نفر من بني عمر بن عوف سالم بن عمير ، ومن بني واقف حرمي بن عمرو ، ومن بني مازن بن النجار عبد الرحمن بن كعب يكنى أبا ليلى ، ومن بني المعلى سلمان بن صخر ، ومن بني حارثة عبد الرحمن بن زيد أبو عبلة ، ومن بني سلمة عمرو بن غنمة وعبد الله بن عمرو