الشوكاني
365
فتح القدير
قال المسير وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله ( والله يعلم إنهم لكاذبون ) قال : لقد كانوا يستطيعون الخروج ولكن كان تبطئة من عند أنفسهم وزهادة في الجهاد . سورة براءة الآية ( 43 - 49 ) الاستفهام في ( عفا الله عنك لم أذنت لهم ) للإنكار من الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم حيث وقع منه الإذن لما استأذنه في القعود قبل أن يتبين من هو صادق منهم في عذره الذي أبداه ، ومن هو كاذب فيه . وفي ذكر العفو عنه صلى الله عليه وآله وسلم ما يدل على أن هذا الإذن الصادر منه كان خلاف الأولى ، وفي هذا عتاب لطيف من الله سبحانه ، وقيل إن هذا عتاب له صلى الله عليه وآله وسلم في إذنه للمنافقين بالخروج معه ، لا في إذنه لهم بالقعود عن الخروج . والأول أولى ، وقد رخص له سبحانه في سورة النور بقوله - فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم - ويمكن أن يجمع بين الآيتين بأن العتاب هنا متوجه إلى الإذن قبل الاستثبات حتى يتبين الصادق من الكاذب ، والإذن هنالك متوجه إلى الإذن بعد الاستثبات والله أعلم . وقيل إن قوله ( عفا الله عنك ) هي افتتاح كلام كما تقول : أصلحك الله وأعزك ورحمك كيف فعلت كذا ، وكذا حكاه مكي والنحاس والمهدوي ، وعلى هذا التأويل يحسن الوقف على عفا الله عنك ، وعلى التأويل الأول لا يحسن . ولا يخفاك أن التفسير الأول هو المطابق لما يقتضيه اللفظ على حسب اللغة العربية ، ولا وجه لإخراجه عن معناه العربي . وفي الآية دليل على جواز الاجتهاد منه صلى الله عليه وآله وسلم ، والمسألة مدونة في الأصول ، وفيها أيضا دلالة على مشروعية الاحتراز عن العجلة والاغترار بظواهر الأمور ، و " حتى " في ( حتى يتبين لك الذين صدقوا ) للغاية ، كأنه قيل : لم سارعت إلى الإذن لهم ، وهلا تأنيث حتى يتبين لك صدق من هو صادق منهم في العذر الذي أبداه ، وكذب من هو كاذب منهم في ذلك ؟ ثم ذكر سبحانه أنه ليس من عادة المؤمنين أن يستأذنوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في القعود عن الجهاد ، بل كان من عادتهم أنه صلى الله عليه وآله وسلم إذا أذن لواحد منهم بالقعود شق عليه ذلك . فقال ( لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا ) وهذا على أن معنى الآية