الشوكاني

366

فتح القدير

أن لا يجاهدوا على حذف حرف النفي ، وقيل المعنى : لا يستأذنك المؤمنون في التخلف كراهة الجهاد ، وقيل : إن معنى الاستئذان في الشئ الكراهة له ، وأما على ما يقتضيه ظاهر اللفظ فالمعنى : لا يستأذنك المؤمنون في الجهاد بل دأبهم أن يبادروا إليه من غير توقف ولا ارتقاب منهم لوقوع الإذن منك فضلا عن أن يستأذنوك في التخلف . قال الزجاج : أن يجاهدوا في موضع نصب بإضمار في : أي في أن يجاهدوا ( والله عليم بالمتقين ) وهم هؤلاء الذين لم يستأذنوا ( إنما يستأذنك ) في القعود عن الجهاد ، والتخلف عنه ( الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر ) وهم المنافقون ، وذكر الإيمان بالله أولا ، ثم باليوم الآخر ثانيا في الموضعين ، لأنهما الباعثان على الجهاد في سبيل الله . قوله ( وارتابت قلوبهم ) عطف على قوله ( الذين لا يؤمنون ) وجاء بالماضي للدلالة على تحقق الريب في قلوبهم ، وهو الشك . قوله ( فهم في ريبهم يترددون ) أي في شكهم الذي حل بقلوبهم يتحيرون ، والتردد التحير . والمعنى : فهؤلاء الذين يستأذنونك ليسوا بمؤمنين بل مرتابين حائرين لا يهتدون إلى طريق الصواب ، ولا يعرفون الحق . قوله ( ولو أرادوا الخروج لأعدوا لهم عدة ) أي لو كانوا صادقين فيما يدعونه ويخبرونك به من أنهم يريدون الجهاد معك ، ولكن لم يكن معهم من العدة للجهاد ما يحتاج إليه لما تركوا إعداد العدة وتحصيلها قبل وقت الجهاد كما يستعد لذلك المؤمنون ، فمعنى هذا الكلام : أنهم لم يريدوا الخروج أصلا ولا استعدوا للغزو . والعدة ما يحتاج إليه المجاهد من الزاد والراحلة والسلاح . قوله ( ولكن كره الله انبعاثهم ) أي ولكن كره الله خروجهم فتثبطوا عن الخروج ، فيكون المعنى : ما خرجوا ولكن تثبطوا ، لأن كراهة الله انبعاثهم تستلزم تثبطهم عن الخروج ، والانبعاث الخروج : أي حبسهم الله عن الخروج معك وخذلهم ، لأنهم قالوا : إن لم يؤذن لنا في الجلوس أفسدنا وحرضنا على المؤمنين ، وقيل المعنى : لو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ، ولكن ما أرادوه لكراهة الله له قوله ( وقيل اقعدوا مع القاعدين ) قيل القائل لهم هو الشيطان بما يلقيه إليهم من الوسوسة ، وقيل قاله بعضهم لبعض ، وقيل قاله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غضبا عليهم ، وقيل هو عبارة عن الخذلان : أي أوقع الله في قلوبهم القعود خذلانا لهم . ومعنى ( مع القاعدين ) أي مع أولى الضرر من العميان والمرضى والنساء والصبيان ، وفيه من لذم لهم والإزراء عليهم والتنقص بهم ما لا يخفى . قوله ( لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ) هذه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وللمؤمنين عن تخلف المنافقين ، والخبال : الفساد والنميمة وإيقاع الاختلاف والأراجيف . قيل هذا الاستثناء منقطع : أي ما زادوكم قوة ، ولكن طلبوا الخبال ، وقيل المعنى : لا يزيدونكم فيما ترددون فيه من الرأي إلا خبالا فيكون متصلا ، وقيل هو استثناء من أعم العام : أي ما زادوكم شيئا إلا خبالا ، فيكون الاستثناء من قسم المتصل ، لأن الخبال من جملة ما يصدق عليه الشئ . قوله ( ولا أوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة ) الإيضاع : سرعة السير ، ومنه قوله ورقة بن نوفل : يا ليتني فيها جذع * أخب فيها وأضع يقال أوضع البعير : إذا أسرع السير ، وقيل الإيضاع سير الخبب ، والخلل الفرجة بين الشيئين ، والجمع الخلال : أي الفرج التي تكون بين الصفوف . والمعنى : لسعوا بينكم بالإفساد بما يختلقونه من الأكاذيب المشتملة على الإرجاف والنمائم الموجبة لفساد ذات البين . قوله ( يبغونكم الفتنة ) يقال بغيته كذا : طلبته له ، وأبغيته كذا أعنته على طلبه . والمعنى : يطلبون لكم الفتنة في ذات بينكم بما يصنعونه من التحريش والإفساد ، وقيل الفتنة هنا الشرك . وجملة - وفيكم سماعون لهم - في محل نصب على الحال : أي والحال أن فيكم من يستمع ما يقولونه من الكذب فينقله إليكم فيتأثر من ذلك الاختلاف بينكم ، والفساد لإخوانكم ( والله عليم بالظالمين ) وبما يحدث منهم لو خرجوا معكم ، فلذلك اقتضت حكمته البالغة أن لا يخرجوا معكم ، وكره انبعاثهم معكم ، ولا ينافي حالهم هذا