الشوكاني
362
فتح القدير
لا نسبة للمتناهي الزائل إلى غير المتناهي الباقي ، والظاهر أن هذا التثاقل لم يصدر من الكل ، إذ من البعيد أن يطبقوا جميعا على التباطئ والتثاقل ، وإنما هو من باب نسبة ما يقع من البعض إلى الكل ، وهو كثير شائع . قوله ( إلا تنفروا يعذبكم ) هذا تهديد شديد ، ووعيد مؤكد لمن ترك النفير مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( يعذبكم عذابا أليما ) أي يهلككم بعذاب شديد مؤلم ، قيل في الدنيا فقط ، وقيل هو أعم من ذلك . قوله ( ويستبدل قوما غيركم ) أي يجعل لرسله بدلا منكم ممن لا يتباطأ عند حاجتهم إليهم . واختلف في هؤلاء القوم من هم ؟ فقيل أهل اليمن ، وقيل أهل فارس ، ولا وجه للتعيين بدون دليل . قوله ( ولا تضروه شيئا ) معطوف على ( يستبدل ) ، والضمير قيل لله ، وقيل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم : أي ولا تضروا الله بترك امتثال أمره بالنفير شيئا ، أو لا تضروا رسول الله بترك نصره والنفير معه شيئا ( والله على كل شئ قدير ) ومن جملة مقدوراته تعذيبكم والاستبدال بكم . قوله ( إلا تنصروه فقد نصره الله ) أي إن تركتم نصره فالله متكفل به ، فقد نصره في مواطن القلة ، وأظهره على عدوه بالغلبة والقهر ، أو فسينصره من نصره حين لم يكن معه إلا رجل واحد وقت إخراج الذين كفروا له حال كونه ( ثاني اثنين ) أي أحد اثنين ، وهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبو بكر الصديق رضي الله عنه . وقرئ بسكون الياء . قال ابن جنى : حكاها أبو عمرو بن العلاء ، ووجهها أن تسكن الياء تشبيها لها بالألف قال ابن عطية : فهي كقراءة الحسن ما بقي من الربا ، وكقول جرير : هو الخليفة فارضوا ما رضيه لكم * ماضي العزيمة ما في حكمه جنف قوله ( إذ هما في الغار ) بدل من ( إذ أخرجه ) بدل بعض ، والغار : ثقب في الجبل المسمى ثورا ، وهو المشهور بغار ثور ، وهو جبل قريب من مكة ، وقصة خروجه صلى الله عليه وآله وسلم من مكة إلى المدينة هو وأبو بكر ودخولهما الغار مشهورة مذكورة في كتب السير والحديث . قوله ( إذ يقول لصاحبه ) بدل ثان : أي وقت قوله لأبي بكر ( لا تحزن إن الله معنا ) أي دع الحزن فإن الله بنصره وعونه وتأييده معنا ، ومن كان الله معه فلن يغلب ، ومن لا يغلب فيحق له أن لا يحزن . قوله ( فأنزل الله سكينته عليه ) السكينة : تسكين جأشه وتأمينه حتى ذهب روعه وحصل له الأمن ، على أن الضمير في ( عليه ) لأبي بكر ، وقيل هو للنبي صلى الله عليه وآله وسلم . ويكون المراد بالسكينة النازلة عليه عصمته عن حصول سبب من أسباب الخوف له ، ويؤيد كون الضمير في ( عليه ) للنبي صلى الله عليه وآله وسلم الضمير في ( وأيده بجنود لم تروها ) فإنه للنبي صلى الله عليه وآله وسلم لأنه المؤيد بهذه الجنود التي هي الملائكة كما كان في يوم بدر ، وقيل إنه لا محذور في رجوع الضمير من ( عليه ) إلى أبي بكر ومن ( وأيده ) إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فإن ذلك كثير في القرآن وفي كلام العرب ( وجعل كلمة الذين كفروا السفلى ) أي كلمة الشرك ، وهي دعوتهم إليه ، ونداؤهم للأصنام ( وكلمة الله هي العليا ) قرأ الأعمش ويعقوب بنصب كلمة حملا على جعل ، وقرأ الباقون برفعها على الاستئناف . وقد ضعف قراءة النصب الفراء وأبو حاتم ، وفي ضمير الفصل ، أعني ( هي ) تأكيد لفضل كلمته في العلو وأنها المختصة به دون غيرها ، وكلمة الله هي كلمة التوحيد ، والدعوة إلى الإسلام ( والله عزيز حكيم ) أي غالب قاهر لا يفعل إلا ما فيه حكمة وصواب ، ثم لما توعد من لم ينفر مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وضرب له من الأمثال ما ذكره عقبة بالأمر الجزم فقال ( انفروا خفافا وثقالا ) أي حال كونكم خفافا وثقالا ، قيل المراد منفردين أو مجتمعين ، وقيل نشاطا وغير نشاط ، وقيل فقراء وأغنياء ، وقيل شبابا وشيوخا ، وقيل رجالا وفرسانا ، وقيل من لا عيال له ومن له