الشوكاني
363
فتح القدير
عيال ، وقيل من يسبق إلى الحرب كالطلائع ، ومن يتأخر كالجيش ، وقيل غير ذلك . ولا مانع من حمل الآية على جميع هذه المعاني ، لأن معنى الآية : انفروا خفت عليكم الحركة أو ثقلت . قيل وهذه الآية منسوخة بقوله تعالى - ليس على الضعفاء ولا على المرضى - ، وقيل الناسخ لها قوله - فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة - الآية . وقيل هي محكمة وليست بمنسوخة ، ويكون إخراج الأعمى والأعرج بقوله - ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج - وإخراج الضعيف والمريض بقوله - ليس على الضعفاء ولا على المرضى - من باب التخصيص ، لا من باب النسخ على فرض دخول هؤلاء تحت قوله ( خفافا وثقالا ) والظاهر عدم دخولهم تحت العموم . قوله ( وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ) فيه الأمر بالجهاد بالأنفس والأموال وإيجابه على العباد ، فالفقراء يجاهدون بأنفسهم ، والأغنياء بأموالهم وأنفسهم . والجهاد من آكد الفرائض وأعظمها ، وهو فرض كفاية مهما كان البعض يقوم بجهاد العدو ويدفعه ، فإن كان لا يقوم بالعدو إلا جميع المسلمين في قطر من الأرض أو أقطار وجب عليهم ذلك وجوب عين ، والإشارة بقوله ( ذلكم ) إلى ما تقدم من الأمر بالنفير والأمر بالجهاد ( خير لكم ) أي خير عظيم في نفسه ، وخير من السكون والدعة ( إن كنتم تعلمون ) ذلك وتعرفون الأشياء الفاضلة وتميزونها عن المفضولة . قوله ( لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك . قال الزجاج : لو كان المدعو إليه فحذف لدلالة ما تقدم عليه ، والعرض : ما يعرض من منافع الدنيا ، والمعنى : غنيمة قريبة غير بعيدة ( وسفرا قاصدا ) عطف على ما قبله : أي سفرا متوسطا بين القرب والبعد ، وكل متوسط بين الإفراط والتفريط فهو قاصد ولكن ( بعدت عليهم الشقة ) قال أبو عبيدة وغيره : إن الشقة السفر إلى أرض بعيدة ، يقال منه شقة شاقة . قال الجوهري : الشقة بالضم من الثياب ، والشقة أيضا : السفر البعيد ، وربما قالوه بالكسر ، والمراد بهذا غزوه تبوك فإنها كانت سفرة بعيده شاقة . وقرأ عيسى بن عمر " بعدت عليهم الشقة " بكسر العين والشين ( وسيحلفون بالله ) أي المتخلفون عن عزوة تبوك حال كونكم قائلين ( لو استطعنا لخرجنا معكم ) أي لو قدرنا على الخروج ووجدنا ما نحتاج إليه فيه مما لا بد منه ( لخرجنا معكم ) هذه الجملة سادة مسد جواب القسم والشرط . قوله ( يهلكون أنفسهم ) هو بدل من قوله ( سيحلفون ) لأن من حلف كاذبا فقد أهلك نفسه أو يكون حالا : أي مهلكين أنفسهم موقعين لها موقع الهلاك ( والله يعلم إنهم لكاذبون ) في حلفهم الذي سيحلفون به لكم . وقد أخرج سعيد بن منصور وابن جرير ، وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله ( يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا ) الآية ، قال هذا حين أمروا بغزوة تبوك بعد الفتح ، وحين أمرهم بالنفير في الصيف وحين خرفت النخل وطابت الثمار واشتهوا الظلال وشق عليهم المخرج ، فأنزل الله ( انفروا خفافا وثقالا ) وأخرج أبو داود وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله ( إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ) قال : إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم استنفر حيا من أحياء العرب فتثاقلوا عنه ، فأنزل الله هذه الآية فأمسك عنهم المطر فكان ذلك عذابهم . وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال : لما نزلت ( إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ) . وقد كان تخلف عنه أناس في البدو يفقهون قومهم ، فقال المؤمنون : قد بقي ناس في البوادي وقالوا هلك أصحاب البوادي ، فنزلت ( وما كان المؤمنون لينفروا كافة ) . وأخرج أبو داود وابن أبي حاتم والنحاس والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله ( إلا تنفروا ) الآية قال : نسختها - وما كان المؤمنون لينفروا كافة . وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله ( إلا تنصروه فقد نصره الله ) قال : ذكر ما كان من أول شأنه حين بعث ، يقول : فأنا فاعل