الشوكاني

361

فتح القدير

سورة براءة الآية ( 38 - 42 ) قوله ( يا أيها الذين آمنوا ) لما شرح معايب أولئك الكفار عاد إلى ترغيب المؤمنين في قتالهم ، والاستفهام في ( ما لكم ) للإنكار والتوبيخ : أي أي شئ يمنعكم عن ذلك ، ولا خلاف أن هذه الآية نزلت عتابا لمن تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في غزوة تبوك ، وكانت سنة تسع من الهجرة بعد الفتح بعام ، والنفر : هو الانتقال بسرعة من مكان إلى مكان لأمر يحدث . قوله ( اثاقلتم إلى الأرض ) أصله تثاقلتم أدغمت التاء في الثاء لقربها منها ، وجئ بألف الوصل ليتوصل بها إلى النطق بالساكن ، ومثله : اداركوا ، واطيرتم ، واطيروا ، وأنشد الكسائي : توالى الضجيع إذا ما اشتاقها حضرا * عذب المذاق إذا ما أتابع القبل وقرأ الأعمش ( تثاقلتم ) على الأصل ، ومعناه تباطأتم ، وعدى بإلى لتضمنه معنى الميل والإخلاد ، وقيل معناه : ملتم إلى الإقامة بأرضكم والبقاءا فيها وقرئ ( آثاقلتم ) على الاستفهام ، ومعناه التوبيخ والعامل في الظرف ما في ( ما لكم ) من معنى الفعل ، كأنه قيل ما يمنعكم ، أو ما تصنعون إذا قيل لكم ؟ و ( إلى الأرض ) متعلق باثاقلتم وكما مر ، قوله ( أرضيتم بالحياة الدنيا ) أي بنعيمها بدلا من الآخرة كقوله تعالى - ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون - أي بدلا منكم ، ومثله قول الشاعر : قلبت لنا من ماء زمزم شربة * مبردة باتت على طهيان أي بدلا من ماء زمزم ، والطهيان عود ينصب في ناحية الدار للهواء يعلق عليه الماء ليبرد ، ومعنى ( في الآخرة ) أي في جنب الآخرة ، وفي مقابلها ( إلا قليل ) أي إلا متاع حقير لا يعبأ به ، ويجوز أن يراد بالقليل العدم ، إذ