الشوكاني
338
فتح القدير
تحصروهم ولا تقتلوهم ( إن الله غفور ) لهم ( رحيم ) بهم . قوله ( وإن أحد من المشركين استجارك فأجره ) ، يقال استجرت فلانا : أي طلبت أن يكون جارا : أي محاميا ومحافظا من أن يظلمني ظالم ، أو يتعرض لي معترض . وأحد مرتفع بفعل مقدر يفسره المذكور بعده : أي وإن استجارك أحد استجارك ، وكرهوا الجمع بين المفسر والمفسر . والمعنى : وإن استجارك أحد من المشركين الذين أمرت بقتالهم فأجره : أي كن جارا له مؤمنا محاميا ( حتى يسمع كلام الله ) منك ويتدبره حق تدبره ، ويقف على حقيقة ما تدعو إليه ( ثم أبلغه مأمنه ) أي إلى الدار التي يأمن فيها بعد أن يسمع كلام الله إن لم يسلم ، ثم بعد أن تبلغه مأمنه قاتله فقد خرج من جوارك ورجع إلى ما كان عليه من إباحة دمه ، ووجوب قتله حيث يوجد ، والإشارة بقوله ( ذلك ) إلى ما تقدم من الأمر بالإجارة وما بعده ( بأنهم قوم لا يعلمون ) أي بسبب فقدانهم للعلم النافع المميز بين الخير والشر في الحال والمآل . وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ( إلا الذين عاهدتم ) قال : هم قريش . وأخرج أيضا عن قتادة قال : هم مشركو قريش الذين عاهدهم نبي الله زمن الحديبية ، وكان بقي من مدتهم أربعة أشهر بعد يوم النحر ، فأمر نبيه أن يوفي بعهدهم هذا إلى مدتهم . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن محمد بن عباد ابن جعفر في قوله ( إلا الذين عاهدتم ) قال : هم بنو جذيمة بن عامر من بني بكر بن كنانة . وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ( فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم ) قال : كان بقي لبني مذحج وخزاعة عهد ، فهو الذي قال الله ( فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم ) . وأخرج أبو الشيخ عن السدي في قوله ( إلا الذين عاهدتم من المشركين ) قال : هؤلاء بنو ضمرة وبنو مدلج من بنى كنانة كانوا حلفاء للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في غزوة العسيرة من بطن ينبع ( ثم لم ينقصوكم شيئا ) ثم لم ينقصوا عهدكم بغدر ( ولم يظاهروا عليكم أحدا ) قال : لم يظاهروا عدوكم عليكم ( فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم ) يقول : أجلهم الذي شرطتم لهم ( إن الله يحب المتقين ) يقول : الذين يتقون الله فيما حرم عليهم فيوفون بالعهد . قال : فلم يعاهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد هؤلاء الآيات أحدا . وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله ( فإذا انسلخ الأشهر الحرم ) قال : هي الأربعة عشرون من ذي الحجة والمحرم ، وصفر ، وشهر ربيع الأول ، وعشر من ربيع الآخر . قلت : مراد السدي أن هذه الأشهر تسمى حرما لكون تأمين المعاهدين فيها يستلزم تحريم القتال ، لا أنها الأشهر الحرم المعروفة . وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في الآية قال : هي عشر من ذي القعدة وذو الحجة والمحرم ، سبعون ليلة . وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد قال : هي الأربعة الأشهر التي قال ( فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ) . وأخرج ابن المنذر عن قتادة نحو قول السدي السابق . وأخرج أبو داود في ناسخه عن ابن عباس في قوله ( فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) ثم نسخ واستثنى . فقال ( فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم ) ، وقال ( وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ) . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ( وإن أحد من المشركين استجارك فأجره ) يقول : من جاءك واستمع ما تقول . واستمع ما أنزل إليك . فهو آمن حين يأتيك فيسمع كلام الله حتى يبلغ مأمنه من حيث جاء . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله ( ثم أبلغه مأمنه ) قال : إن لم يوافقه ما يقص عليه ويخبر به فأبلغه مأمنه . وهذا ليس بمنسوخ . وأخرج أبو الشيخ عن قتادة في قوله ( حتى يسمع كلام الله ) أي كتاب الله . وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن أبي عروبة قال : كان الرجل يجئ إذا سمع كتاب الله وأقر به وأسلم فذاك الذي دعى إليه ، وإن أنكر ولم يقر به رد مأمنه ، ثم نسخ ذلك . فقال - وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة - :