الشوكاني

339

فتح القدير

سورة براءة الآية ( 7 - 11 ) قوله ( كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله ) الاستفهام هنا للتعجب المتضمن للإنكار ، وعهد اسم يكون . وفي خبره ثلاثة أوجه : الأول أنه كيف ، وقدم للاستفهام ، والثاني للمشركين ، وعند على هذين ظرف للعهد ، أو ليكون ، أو صفة للعهد ، والثالث أن الخبر عند الله ، وفي الآية إضمار . والمعنى : كيف يكون للمشركين عهد عند الله يأمنون به من عذابه ، وقيل معنى الآية : محال أن يثبت لهؤلاء عهد وهم أضداد لكم مضمرون للغدر فلا يطمعوا في ذلك ولا يحدثوا به أنفسهم ، ثم استدرك ، فقال ( إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام ) أي لكن الذين عاهدتم عند المسجد الحرام ولم ينقضوا ولم ينكثوا فلا تقاتلوهم ، فما داموا مستقيمين لكم على العهد الذي بينكم وبينهم ( فاستقيموا لهم ) قيل هم بنو بكر ، وقيل بنو كنانة وبنو ضمرة ، وفي " ما " وجهان : أحدهما أنها مصدرية زمانية ، والثاني أنها شرطية ، وفي قوله ( إن الله يحب المتقين ) إشارة إلى أن الوفاء بالعهد والاستقامة عليه من أعمال المتقين ، فيكون تعليلا للأمر بالاستقامة . قوله ( كيف وإن يظهروا عليكم ) أعاد الاستفهام التعجيبي للتأكيد والتقرير ، والتقدير : كيف يكون لهم عهد عند الله وعند رسوله ؟ والحال أنهم إن يظهروا عليكم بالغلبة لكم ( لا يرقبوا ) أي لا يراعوا فيكم ( إلا ) أي عهدا ( ولا ذمة ) . قال في الصحاح : الإل العهد والقرابة ومنه قول حسان : لعمرك أن إلك من قريش * كإل السقب من رئل النعام قال الزجاج : الإل عندي على ما توجبه اللغة يدور على معنى الحدة ، ومنه الإلة للحربة ، ومنه أذن مؤللة : أي محددة ، ومنه قوله طرفة بن العبد يصف أذني ناقته بالحدة والانتصاب : مؤللتان يعرف العنق منهما * كسامعتي شاة بحومل مفرد قال أبو عبيدة : الإل العهد ، والذمة والنديم . وقال الأزهري : هو اسم لله بالعبرانية ، وأصله من الأليل ، وهو البريق ، يقال أل لونه يول إلا : أي صفا ولمع ، والذمة العهد ، وجمعها ذمم ، فمن فسر الإل بالعهد كان التكرير للتأكيد مع اختلاف اللفظين ، وقال أبو عبيدة : الذمة التذمم . وقال أبو عبيد : الذمة الأمان كما في قوله صلى الله عليه وآله وسلم " ويسعى بذمتهم أدناهم " وروى عن أبي عبيدة أيضا أن الذمة ما يتذمم به : أما يجتنب فيه الذم . قوله ( يرضونكم بأفواههم ) أي يقولون بألسنتهم ما فيه مجاملة ومحاسنة لكم طلبا لمرضاتهم وتطييب قلوبكم