الشوكاني

337

فتح القدير

وأصله الانسلاخ الواقع بين الحيوان وجلده ، فاستعير لانقضاء الأشهر ، يقال : سلخت الشهر تسلخه سلخا وسلوخا بمعنى خرجت منه ، ومنه قول الشاعر : إذا ما سلخت الشهر أهللت مثله * كفى قاتلا سلخى الشهور وإهلالي ويقال سلخت المرأة درعها : نزعته ، وفي التنزيل - وآية لهم الليل نسلخ منه النهار - . واختلف العلماء في تعيين الأشهر الحرم المذكورة هاهنا ، فقيل هي الأشهر الحرم المعروفة التي هي ذو القعدة وذو الحجة ، ومحرم ، ورجب : ثلاثة سرد ، وواحد فرد . ومعنى الآية على هذا وجوب الإمساك عن قتال من لا عهد له من المشركين في هذه الأشهر الحرم . وقد وقع النداء والنبذ إلى المشركين بعهدهم يوم النحر ، فكان الباقي من الأشهر الحرم التي هي الثلاثة المسرودة خمسين يوما تنقضي بانقضاء شهر المحرم فأمرهم الله بقتل المشركين حيث يوجدون ، وبه قال جماعة من أهل العلم منهم الضحاك والباقر . وروى عن ابن عباس واختاره ابن جرير ، وقيل المراد بها شهور العهد المشار إليها بقوله ( فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم ) وسميت حرما لأن الله سبحانه حرم على المسلمين فيها دماء المشركين والتعرض لهم ، وإلى هذا ذهب جماعة من أهل العلم منهم مجاهد وابن إسحاق وابن زيد وعمرو بن شعيب . وقيل هي الأشهر المذكورة في قوله ( فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ) . وقد روى ذلك عن ابن عباس وجماعة ، ورجحه ابن كثير ، وحكاه عن مجاهد وعمرو بن شعيب ومحمد بن إسحاق وقتادة والسدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، وسيأتي بيان حكم القتال في الأشهر الحرم الدائرة في كل سنة في هذه السورة إن شاء الله . ومعنى ( حيث وجدتموهم ) في أي مكان وجدتموهم من حل أو حرم . ومعنى ( خذوهم ) الأسر فإن الأخيذ هو الأسير . ومعنى الحصر منعهم من التصرف في بلاد المسلمين إلا بإذن منهم ، والمرصد : الموضع الذي يرقب فيه العدو ، يقال رصدت فلانا أرصده : أي رقبته ، أي اقعدوا لهم في المواضع التي ترتقبونهم فيها . قال عامر ابن الطفيل : ولقد علمت وما إخالك عالما * أن المنية للفتى بالمرصد وقال النابغة : أعاذل إن الجهل من لذة الفتى * وإن المنايا للنفوس بمرصد وكل في ( كل مرصد ) منتصب على الظرفية وهو اختيار الزجاج ، وقيل هو منتصب بنزع الخافض : أي في كل مرصد ، وخطأ أبو علي الفارسي الزجاج في جعله ظرفا . وهذه الآية المتضمنة للأمر بقتل المشركين عند انسلاخ الأشهر الحرم عامة لكل مشرك لا يخرج عنها إلا من خصته السنة ، وهو المرأة والصبي والعاجز الذي لا يقاتل وكذلك يخصص منها أهل الكتاب الذين يعطون الجزية على فرض تناول لفظ المشركين لهم ، وهذه الآية نسخت كل آية فيها ذكر الإعراض عن المشركين والصبر على أذاهم . وقال الضحاك وعطاء والسدي : هي منسوخة بقوله - فإما منا بعد وإما فداء - وأن الأسير لا يقتل صبرا بل يمن عليه أو يفادى . وقال مجاهد وقتادة : بل هي ناسخة لقوله - فإما منا بعد وإما فداء - وأنه لا يجوز في الأسارى من المشركين إلا القتل . وقال ابن زيد : الآيتان محكمتان ، قال القرطبي : وهو الصحيح لأن المن والقتل والفداء لم تزل من حكم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيهم من أول حرب جاء بهم وهو يوم بدر . قوله ( فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ) أي تابوا عن الشرك الذي هو سبب القتل وحققوا التوبة بفعل ما هو من أعظم أركان الإسلام ، وهو إقامة الصلاة ، وهذا الركن اكتفى به عن ذكر ما يتعلق بالأبدان من العبادات لكونه رأسها ، واكتفى بالركن الآخر المالي ، وهو إيتاء الزكاة عن كل ما يتعلق بالأموال من العبادات لأنه أعظمها ( فخلوا سبيلهم ) أي اتركوهم وشأنهم فلا تأسروهم ولا