الشوكاني

328

فتح القدير

خيرا ذكر من هو على ضد ذلك منهم فقال ( وإن يريدوا خيانتك ) بما قالوه لك بألسنتهم من أنهم قد آمنوا بك وصدقوك ولم يكن ذلك منهم عن عزيمة صحيحة ونية خالصة ، بل هو مما كرة ومخادعة ، فليس ذلك بمستبعد منهم فإنهم قد فعلوا ما هو أعظم منه ، وهو أنهم خانوا الله من قبل أن تظفر بهم ، فكفروا به وقاتلوا رسوله ( فأمكن منهم ) بأن نصرك عليهم في يوم بدر فقتلت منهم من قتلت وأسرت من أسرت ( والله عليم ) بما في ضمائرهم ( حكيم ) في أفعاله بهم . وقد أخرج الحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن عائشة قالت : لما بعث أهل مكة في فداء أسراهم بعثت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في فداء أبي العاص وبعثت فيه بقلادة ، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رق رقة شديدة وقال : إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها ، وقال العباس : إني كنت مسلما يا رسول الله ، قال : الله أعلم بإسلامك ، فإن تكن كما تقول فالله يجزيك ، فافد نفسك وابني أخويك نوفل بن الحارث وعقيل بن أبي طالب وحليفك عتبة بن عمرو ، قال : ما ذاك عندي يا رسول الله ، قال : فأين المال الذي دفنت أنت وأم الفضل ؟ فقلت لها : إن أصبت فهذا المال لبني ؟ فقال : والله يا رسول الله إن هذا لشئ ما علمه غيري وغيرها ، فاحسب لي ما أصبتم مني عشرون أوقية من مال كان معي ، قال : لا أفعل ، ففدى نفسه وابني أخويه وحليفه ونزلت ( قل لمن في أيديكم من الأسرى ) الآية ، فأعطاني مكان العشرين الأوقية في الإسلام عشرين عبدا كلهم في يده مال يضرب به مع ما أرجو من مغفرة الله . وأخرج ابن سعد والحاكم وصححه عن أبي موسى أن العلاء بن الحضرمي بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمال من البحرين ثمانين ألفا ، فما أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مال أكثر منه ، فنشر على حصير ، وجاء الناس فجعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعطيهم ، وما كان يومئذ عدد ولا وزن ، فجاء العباس فقال : يا رسول الله إني أعطيت فدائي وفداء عقيل يوم بدر أعطني من هذا المال ، فقال : خذ ، فحثا في خميصته ثم ذهب ينصرف فلم يستطع ، فرفع رأسه وقال : يا رسول الله ارفع علي ، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وذهب وهو يقول : أما أحد للذين وعد الله فقد أنجزنا وما ندري ما يصنع في الأخرى ( قل لمن في أيديكم من الأسارى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم ) فهذا خير مما أخذ مني ولا أدرى ما يصنع في المغفرة . والروايات في هذا الباب كثيرة وأخرج ابن سعد وابن عساكر عن ابن عباس في الآية قال : نزلت في الأسارى يوم بدر منهم العباس بن عبد المطلب . ونوفل بن الحارث ، وعقيل بن أبي طالب . وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عنه في قوله ( وإن يريدوا خيانتك ) إن كان قولهم كذبا ( فقد خانوا الله من قبل ) فقد كفروا وقاتلوك ( فأمكن‍ ) ك الله ( منهم ) . سورة الأنفال الآية ( 72 - 73 )