الشوكاني
329
فتح القدير
سورة الأنفال الآية ( 74 - 75 ) ختم الله سبحانه هذه السورة بذكر الموالاة ليعلم كل فريق وليه الذي يستعين به ، وسمى سبحانه المهاجرين إلى المدينة بهذا الاسم ، لأنهم هجروا أوطانهم وفارقوها طلبا لما عند الله ، وإجابة لداعيه ( والذين آووا ونصروا ) هم الأنصار والإشارة بقوله ( أولئك ) إشارة إلى الموصول الأول والآخر ، وهو مبتدأ وخبره الجملة المذكورة بعده ، ويجوز أن يكون ( بعضهم ) بدلا من اسم الإشارة ، والخبر ( أولياء بعض ) أي بعضهم أولياء بعض في النصرة والمعونة وقيل المعنى : إن بعضهم أولياء بعض في الميراث . وقد كانوا يتوارثون بالهجرة والنصرة ، ثم نسخ ذلك بقوله سبحانه ( وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض ) . قوله ( والذين آمنوا ) مبتدأ ، وخبره ( مالكم من ولايتهم من شئ ) . قرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة " من ولايتهم " بكسر الواو . وقرأ الباقون بفتحها : أي مالكم من نصرتهم وإعانتهم ، أو من ميراثهم ، ولو كانوا من قراباتكم لعدم وقوع الهجرة منهم ( حتى يهاجروا ) فيكون لهم ما كان للطائفة الأولى الجامعين بين الإيمان والهجرة ( وإن استنصروكم ) أي هؤلاء الذين آمنوا ولم يهاجروا إذا طلبوا منكم النصرة لهم على المشركين ( فعليكم النصر ) أي فواجب عليكم النصر ( إلا ) أن يستنصروكم ( على قوم بينكم وبينهم ميثاق ) فلا تنصروهم ولا تنقضوا العهد الذي بينكم وبين أولئك القوم حتى تنقضي مدته . قال الزجاج : ويجوز فعليكم النصر بالنصب على الإغراء . قوله ( والذين كفروا ) مبتدأ خبره ( بعضهم أولياء بعض ) أي بعضهم ينصر بعضا ويتولاه في أموره ، أو يرثه إذا مات ، وفيه تعريض للمسلمين بأنهم لا يناصرون الكفار ولا يتولونهم . قوله ( إلا تفعلوه ) الضمير يرجع إلى ما أمروا به قبل هذا من موالاة المؤمنين ومناصرتهم على التفصيل المذكور ، وترك موالاة الكافرين ( تكن فتنة في الأرض ) أي تقع فتنة إن لم تفعلوا ذلك ( وفساد كبير ) أي مفسدة كبيرة في الدين والدنيا ، ثم بين سبحانه حكما آخر يتعلق بالمؤمنين المهاجرين المجاهدين في سبيل الله والمؤمنين الذين آووا من هاجر إليهم ونصروهم وهم الأنصار ، فقال ( أولئك هم المؤمنون حقا ) أي الكاملون في الإيمان ، وليس في هذا تكرير لما قبله فإنه وارد في الثناء على هؤلاء ، والأول وارد في إيجاب الموالاة والنصرة ، ثم أخبر سبحانه أن ( لهم ) منه ( مغفرة ) لذنوبهم في الآخرة ( و ) لهم في الدنيا ( رزق كريم ) خالص عن الكدر طيب مستلذ ، ثم أخبر سبحانه بأن من هاجر بعد هجرتهم وجاهد مع المهاجرين الأولين والأنصار فهو من جملتهم : أي من جملة المهاجرين الأولين والأنصار في استحقاق ما استحقوه من الموالاة والمناصرة وكمال الإيمان والمغفرة والرزق الكريم ، ثم بين سبحانه بأن أولى الأرحام بعضهم أولى ببعض من غيرهم ممن لم يكن بينه وبينهم رحم في الميراث ، والمراد بهم القرابات فيتناول كل قرابة ، وقيل المراد بهم هنا العصبات ، قالوا : ومنه قول العرب : وصلتك رحم فإنهم لا يريدون قرابة الأم . قالوا : ومنه قول قتيلة : ظلت سيوف بني أبيه تنوشه * لله أرحام هناك تشقق ولا يخفاك أنه ليس في هذا ما يمنع من إطلاقه على غير العصبات ، وقد استدل بهذه الآية من أثبت ميراث ذوي الأرحام ، وهم من ليس بعصبة ولا ذي سهم على حسب اصطلاح أهل علم المواريث ، والخلاف في ذلك معروف مقرر في مواطنه ، وقد قيل إن هذه الآية ناسخة للميراث بالموالاة والنصرة عند من فسر ما تقدم من قوله