الشوكاني
320
فتح القدير
والفاء . قوله ( وإما تخافن من قوم خيانة ) أي غشا ونقضا للعهد من القوم المعاهدين ( فانبذ إليهم ) أي فاطرح إليهم العهد الذي بينك وبينهم ( على سواء ) على طريق مستوية . والمعنى : أنه يخبرهم إخبارا ظاهرا مكشوفا بالنقض ولا يناجزهم الحرب بغتة ، وقيل معنى ( على سواء ) على وجه يستوي في العلم بالنقض أقصاهم وأدناهم ، أو تستوي أنت وهم فيه . قال الكسائي : السواء العدل ، وقد يكون بمعنى الوسط ، ومنه قوله - في سواء الجحيم - ، ومنه قول حسان : يا ويح أنصار النبي ورهطه * بعد المغيب في سواء الملحد ومن الأول قول الشاعر : فاضرب وجوه الغدر الأعداء * حتى يجيبوك إلى سواء وقيل معنى ( فانبذ إليهم على سواء ) على جهر لا على سر والظاهر أن هذه الآية عامة في كل معاهد يخاف من وقوع النقض منه . قال ابن عطية : والذي يظهر من ألفاظ القرآن أن أمر بني قريظة انقضى عند قوله ( فشرد بهم من خلفهم ) ثم ابتدأ تبارك وتعالى في هذه الآية يأمره بما يصنعه في المستقبل مع من يخاف منه خيانة ، وجملة ( إن الله لا يحب الخائنين ) تعليل لما قبلها ، يحتمل أن تكون تحذيرا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن المناجزة قبل أن ينبذ إليهم على سواء ، ويحتمل أن تكون عائدة إلى القوم الذين تخاف منهم الخيانة . قوله ( ولا تحسبن ) قرأ ابن عامر ويزيد وحمزة وحفص بالياء التحتية ، وقرأ الباقون بالمثناة من فوق . فعلى القراءة الأولى يكون الذين كفروا فاعل الحسبان ، ويكون مفعوله الأول محذوفا : أي لا يحسبن الذين كفروا أنفسهم ، ومفعوله الثاني سبقوا ومعناه : فاتوا وأفلتوا من أن يظفر بهم . وعلى القراءة الثانية يكون الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ومفعوله الأول الذين كفروا ، والثاني سبقوا ، وقرئ ( إنهم سبقوا ) وقرئ " يحسبن " بكسر الياء ، وجملة ( إنهم لا يعجزون ) تعليل لما قبلها : أي إنهم لا يفوتون ولا يجدون طالبهم عاجزا عن إدراكهم . وقرأ ابن عامر أنهم بفتح الهمزة ، والباقون بكسرها ، وكلا القراءتين مفيدة لكون الجملة تعليلية ، وقيل المراد بهذه الآية من أفلت من وقعة بدر من المشركين ، والمعنى : أنهم وإن أفلتوا من هذه الوقعة ونجوا فإنهم لا يعجزون ، بل هم واقعون في عذاب الله في الدنيا أو في الآخرة . وقد زعم جماعة من النحويين منهم أبو حاتم أن قراءة من قرأ يحسبن بالتحتية لحن ، لا تحل القراءة بها لأنه لم يأت ليحسبن بمفعول ، وهو يحتاج إلى مفعولين . قال النحاس : وهذا تحامل شديد ومعنى هذه القراءة : ولا يحسبن من خلفهم الذين كفروا سبقوا ، فيكون الضمير يعود على ما تقدم إلا أن القراءة بالتاء أبين . وقال المهدوي : يحوز على هذه القراءة أن يكون الذين كفروا فاعلا ، والمفعول الأول محذوف . والمعنى ولا يحسبن الذين كفروا أنفسهم سبقوا . قال مكي : ويجوز أن يضمر مع سبقوا " أن " فتسد مسد المفعولين ، والتقدير : ولا يحسبن الذين كفروا أن سبقوا ، فهو مثل - أحسب الناس أن يتركوا - في سد أن مسد المفعولين ، ثم أمر سبحانه بإعداد القوة للأعداء ، والقوة كل ما يتقوى به في الحرب ، ومن ذلك السلاح والقسي . وقد ثبت في صحيح مسلم وغيره من حديث عقبة بن عامر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو على المنبر يقول " وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ألا إن القوة الرمي ، قالها ثلاث مرات " . وقيل هي الحصون ، والمصير إلى التفسير الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم متعين . قوله ( ومن رباط الخيل ) . قرأ الحسن وعمرو بن دينار وأبو حيوة " ومن ربط الخيل " بضم الراء والباء ككتب : جمع كتاب . قال أبو حاتم : الرباط من الخيل الخمس فما فوقها ، وهي الخيل التي ترتبط بإزاء العدو ، ومنه قول الشاعر :