الشوكاني
32
فتح القدير
قتل أخاه لم يدر كيف يواريه لكونه أول ميت مات من بني آدم ، فبعث الله غرابين أخوين فاقتتلا فقتل أحدهما صاحبه فحفر له ثم حثا عليه ، فما رآه قابيل ( قال يا ويلتي أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي ) فواراه ، والضمير المستكن في ( ليريه ) للغراب ، وقيل لله سبحانه ، و ( كيف ) في محل نصب على الحال من ضمير ( يوارى ) والجملة ثاني مفعولي يريه . والمراد بالسوءة هنا ذاته كلها لكونها ميتة ، و ( قال ) استئناف جواب سؤال مقدر من سوق الكلام ، كأنه قيل : فماذا قال عند أن شاهد الغراب يفعل ذلك ؟ و ( يا ويلتي ) كلمة تحسر وتحزن ، والألف بدل من ياء المتكلم كأنه دعا ويلته بأن تحضر في ذلك الوقت ، والويلة الهلكة ، والكلام خارج مخرج التعجب منه من عدم اهتدائه لمواراة أخيه كما اهتدى الغراب إلى ذلك ( فأواري ) بالنصب على أنه جواب الاستفهام ، وقرئ بالسكون على تقدير فأنا أوارى ( فأصبح من النادمين ) على قتله ، وقيل لم يكن ندمه ندم توبة بل ندم لفقده ، لا على قتله ، وقيل غير ذلك . وقد أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عساكر عن ابن عباس قال " نهي أن تنكح المرأة أخاها توأمها ، وأن ينكحها غيره من إخوتها ، وكان يولد له في كل بطن رجل وامرأة ، فبينما هم كذلك ولد له امرأة وضيئة وولد له أخرى قبيحة دميمة ، فقال أخو الدميمة : أنكحني أختك وأنكحك أختي ، فقال : لا ، أنا أحق بأختي ، فقربا قربانا ، فجاء صاحب الغنم بكبش أعين أقرن أبيض ، وصاحب الحرث بصبرة من طعام فتقبل من صاحب الكبش ، ولم يتقبل من صاحب الزرع " . قال ابن كثير في تفسيره : إسناده جيد ، وكذا قال السيوطي في الدر المنثور . وأخرج ابن جرير عنه قال : كان من شأن بني آدم أنه لم يكن مسكين يتصدق عليه ، وإنما كان القربان يقر به الرجل ، فبينما ابنا آدم قاعدان إذ قالا لو قربنا قربانا ثم ذكرا ما قرباه . وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله ( لئن بسطت إلى يدك ) قال : كتب عليهم إذا أراد الرجل أن يقتل رجلا تركه ولا يمتنع منه . وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج نحوه . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله ( إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك ) يقول : إني أريد أن تكون عليك خطيئتك ودمى فتبوء بهما جميعا . وأخرج ابن جرير عنه ( بإثمي ) : قال بقتلك إياي ( وإثمك ) ، قال : بما كان منك قبل ذلك . وأخرج عن قتادة والضحاك مثله . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد قي قوله ( فطوعت له نفسه قتل أخيه ) قال : شجعته على قتل أخيه . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في الآية قال : زينت له نفسه . وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود وناس من الصحابة في قوله ( فطوعت له نفسه قتل أخيه ) فطلبه ليقتله فراغ الغلام منه في رؤوس الجبال فأتاه يوما من الأيام وهو يرعى غنما له وهو نائم ، فرفع صخرة فشدخ به رأسه فمات ، فتركه بالعراء ولا يعلم كيف يدفن فبعث الله غرابين أخوين فاقتتلا فقتل أحدهما صاحبه فحفر له ثم حثا عليه ، فلما رآه ( قال يا ويلتي أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب ) . وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه أول من سن القتل " . وقد روى في صفة قتله لأخيه روايات الله أعلم بصحتها . سورة المائدة الآية ( 32 - 34 )