الشوكاني

33

فتح القدير

قوله ( من أجل ذلك ) أي من أجل ذلك القاتل وجريرته وبسبب معصيته . وقال الزجاج : أي من جنايته قال : يقال أجل الرجل على أهله شرا يأجل أجلا إذا جنى مثل أخذ يأخذ أخذا . وقرأ أبو جعفر " من أجل " بكسر النون وحذف الهمزة ، وهي لغة . قال في شرح الدرة : قرأ أبو جعفر منفردا " من أجل ذلك " بكسر الهمزة مع نقل حركتها إلى النون قبلها ، وقيل يجوز أن يكون قوله ( من أجل ذلك ) متعلقا بقوله ( من النادمين ) فيكون الوقف على قوله ( من أجل ذلك ) والأولى ما قدمنا ، والمعنى : أن نبأ ابني آدم هو الذي تسبب عنه الكتب المذكور على بني إسرائيل ، وعلى هذا جمهور المفسرين . وخص بني إسرائيل بالذكر لأن السياق في تعداد جناياتهم . ولأنهم أول أمة نزل الوعيد عليهم في قتل الأنفس ، ووقع التغليظ فيهم إذ ذاك لكثرة سفكهم للدماء وقتلهم للأنبياء وتقديم الجار والمجرور على الفعل الذي هو متعلق به أعني كتبنا : يفيد القصر : أي من أجل ذلك لا من غيره ، ومن لابتداء الغاية ( أنه من قتل نفسا ) واحدة من هذه النفوس ( بغير نفس ) أي بغير نفس توجب القصاص فيخرج عن هذا من قتل نفسا بنفس قصاصا . قوله ( أو فساد في الأرض ) قرأ الجمهور بالجر عطفا على نفس . وقرأ الحسن بالنصب على تقدير فعل محذوف يدل عليه أول الكلام تقديره : أو أحدث فسادا في الأرض ، وفى هذا ضعف . ومعنى قراءة الجمهور : أن من قتل نفسا بغير سبب من قصاص أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا . وقد تقرر أن كل حكم مشروط يتحقق أحد شيئين فنقيضه مشروط بانتفائهما معا ، وكل حكم مشروط بتحققهما معا فنقيضه مشروط بانتفاء أحدهما ضرورة أن نقيض كل شئ مشروط بنقيض شرطه . وقد اختلف في هذا الفساد المذكور في هذه الآية ماذا هو ؟ فقيل هو الشرك ، وقيل قطع الطريق . وظاهر النظم القرآني أنه ما يصدق عليه أنه فساد في الأرض ، فالشرك فساد في الأرض ، وقطع الطريق فساد في الأرض ، وسفك الدماء وهتك الحرم ونهب الأموال فساد في الأرض ، والبغي على عباد الله بغير حق فساد في الأرض ، وهدم البنيان وقطع الأشجار وتغوير الأنهار فساد في الأرض ، فعرفت بهذا أنه يصدق على هذه الأنواع أنها فساد في الأرض ، وهكذا الفساد الذي سيأتي في قوله ( ويسعون في الأرض فسادا ) يصدق على هذه الأنواع ، وسيأتي تمام الكلام على معنى الفساد قريبا . قوله ( فكأنما قتل الناس جميعا ) اختلف المفسرون في تحقيق هذا التشبيه للقطع بأن عقاب من قتل الناس جميعا أشد من عقاب من قتل واحدا منهم . فروى عن ابن عباس أنه قال : المعنى من قتل نبيا أو إمام عدل فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياه بأن شد عضده ونصره فكأنما أحيا الناس جميعا . أخرج هذا عنه ابن جرير . وروى عن مجاهد أنه قال : المعنى أن الذي يقتل النفس المؤمنة متعمدا جعل الله جزاءه جهنم وغضب