الشوكاني

316

فتح القدير

أخرى فقال ( إني أخاف الله ) قيل خاف أن يصاب بمكروه من الملائكة الذين حضروا الوقعة ، وقيل إن دعوى الخوف كذب منه ، ولكنه رأى أنه لا قوة له ولا للمشركين فاعتل بذلك ، وجملة ( والله شديد العقاب ) يحتمل أن تكون من تمام كلام إبليس ، ويحتمل أن تكون كلاما مستأنفا من جهة الله سبحانه . قوله ( إذ يقول المنافقون ) الظرف معمول لفعل محذوف هو أذكر ، ويجوز أن يتعلق بنكص أو بزين أو بشديد العقاب ، قيل المنافقون هم الذين أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر ( والذين في قلوبهم مرض ) هم الشاكون من غير نفاق بل لكونهم حديثي عهد بالإسلام فوافقوا المنافقين في قولهم بهذه المقالة ، أعني ( غر هؤلاء ) أي المسلمين ( دينهم ) حتى تكلفوا ما لا طاقة لهم به من قتال قريش ، وقيل الذين في قلوبهم مرض هم المشركون ، ولا يبعد أن يراد بهم اليهود الساكنون في المدينة وما حولها ، وأنهم هم والمنافقون من أهل المدينة قالوا هذه المقالة عند خروج المسلمين إلى بدر لما رأوهم في قلة من العدد وضعف من العدد ، فأجاب الله عليهم بقوله ( ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز ) لا يغلبه غالب ، ولا يذل من توكل عليه ( حكيم ) له الحكمة البالغة التي تقصر عندها العقول . وقد أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله ( واذكروا الله ) قال : افترض الله ذكره عند أشغل ما يكونون : عند الضراب بالسيوف . وأخرج الحاكم وصححه عن سهل بن سعد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " ثنتان لا يردان : الدعاء عند النداء وعند البأس حين يلحم بعضهم بعضا " وأخرج الحاكم وصححه عن أبي موسى أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يكره الصوت عند القتال . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله ( ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم ) يقول : لا تختلفوا فتجبنوا ويذهب نصركم . وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله ( وتذهب ريحكم ) قال : نصركم وقد ذهب ريح أصحاب محمد حين نازعوه يوم أحد . وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله ( ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم ) الآية ، يعني المشركين الذين قاتلوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم بدر . وأخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي قال : لما خرجت قريش من مكة إلى بدر خرجوا بالقيان والدفوف ، فأنزل الله هذه الآية . وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن مجاهد في الآية قال أبو جهل وأصحابه يوم بدر . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في الآية قال : كان مشركو قريش الذين قاتلوا نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم بدر خرجوا ولهم بغى وفخر ، وقد قيل لهم يومئذ ارجعوا فقد انطلقت عيركم وقد ظفرتم فقالوا : لا والله حتى يتحدث أهل الحجاز بمسيرنا وعددنا وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم قال يومئذ " اللهم إن قريشا قد أقبلت بفخرها وخيلائها لتجادل رسولك " وذكر لنا أنه قال يومئذ " جاءت من مكة أفلاذها " . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال : جاء إبليس في جند من الشياطين ومعه راية في صورة رجال من بني مدلج ، والشيطان في صورة سراقة بن مالك بن جعشم فقال الشيطان ( لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم ) وأقبل جبريل على إبليس فلما رآه وكانت يده في يد رجل من المشركين انتزع إبليس يده وولى مدبرا وشيعته فقال الرجل : يا سراقة إنك جار لنا فقال ( إني أرى مالا ترون ) وذلك حين رأى الملائكة ( إني أخاف الله والله شديد العقاب ) قال : ولما دنا القوم بعضهم من بعض قلل الله المسلمين في أعين المشركين وقلل المشركين في أعين المسلمين فقال المشركون : وما هؤلاء غر هؤلاء دينهم وإنما قالوا ذلك من قلتهم في أعينهم وظنوا أنهم سيهزمونهم لا يشكون في ذلك ، فقال الله ( ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم )