الشوكاني
315
فتح القدير
بألسنتكم فإن القلب قد يسكن عند اللقاء ويضطرب اللسان ، فأمرهم بالذكر حتى يجتمع ثبات القلب واللسان ، قيل وينبغي أن يكون الذكر في هذه الحالة بما قاله أصحاب طالوت - ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين - . وفي الآية دليل على مشروعية الذكر في جميع الأحوال ، حتى في هذه الحالة التي ترجف فيها القلوب وتزيغ عندها البصائر ، ثم أمرهم بطاعة الله فيما يأمرهم به وطاعة رسوله فيما يرشدهم إليه ، ونهاهم عن التنازع وهو الاختلاف في الرأي ، فإن ذلك يتسبب عنه الفشل . وهو الجبن في الحرب . والفاء جواب النهي ، والفعل منصوب بإضمار أن ، ويجوز أن يكون الفعل معطوفا على تنازعوا مجزوما بجازمه . قوله ( وتذهب ريحكم ) قرئ بنصب الفعل ، وجزمه عطفا على تفشلوا على الوجهين ، والريح : القوة والنصر ، كما يقال الريح لفلان إذا كان غالبا في الأمر ، وقيل الريح الدولة شبهت في نفوذ أمرها بالريح في هبوبها ، ومنه قول الشاعر : إذا هبت رياحك فاغتنمها * فعقبى كل خافقة سكون وقيل المراد بالريح ريح الصبا ، لأن بها كان ينصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ثم أمرهم بالصبر على شدائد الحرب وأخبرهم بأنه مع الصابرين في كل أمر ينبغي الصبر فيه ، ويا حبذا هذه المعية التي لا يغلب من رزقها غالب ، ولا يؤتى صاحبها من جهة من الجهات وإن كانت كثيرة ثم نهاهم عن أن تكون حالتهم كحالة هؤلاء الذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس وهم قريش ، فإنهم خرجوا يوم بدر ليحفظوا العير التي مع أبي سفيان ومعها القيان والمعازف ، فلما بلغوا الجحفة بلغهم أن العير قد نجت وسلمت ، فلم يرجعوا بل قالوا لابد لهم من الوصول إلى بدر ليشربوا الخمر وتغنى لهم القيان وتسمع العرب بمخرجهم ، فكان ذلك منهم بطرا وأشرا وطلبا للثناء من الناس وللتمدح إليهم والفخر عندهم وهو الرياء ، قيل والبطر في اللغة : التقوى بنعم الله على معاصيه وهو مصدر في موضع الحال : أي خرجوا بطرين مرائين ، وقيل هو مفعول له وكذا رياء : أي خرجوا للبطر والرياء . وقوله ( ويصدون ) معطوف على بطرا ، والمعنى كما تقدم : أي خرجوا بطرين مرائين صادين عن سبيل الله أو للصد عن سبيل الله . والصد : إضلال الناس والحيلولة بينهم وبين طرق الهداية . ويجوز أن يكون ويصدون معطوفا على يخرجون ، والمعنى : يجمعون بين الخروج على تلك الصفة والصد ( والله بما يعملون محيط ) لا تخفى عليه من أعمالهم خافية فهو مجازيهم عليها . قوله ( وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم ) الظرف متعلق بمحذوف : أي واذكر يا محمد وقت تزيين الشيطان لهم أعمالهم ، والتزيين : التحسين ، وقد روى أن الشيطان تمثل لهم وقال لهم تلك المقالة وهي ( لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم ) أي مجير لكم من كل عدو أو من بني كنانة ، ومعنى الجار هنا : الدافع عن صاحبه أنواع الضرر كما يدفع الجار عن الجار ، وكان في صورة سراقة بن مالك بن جشعم ، وهو من بني بكر بن كنانة ، وكانت قريش تخاف من بني بكر أن يأتوهم من ورائهم ، وقيل المعنى : إنه ألقى في روعهم هذه المقالة ، وخيل إليهم أنهم لا يغلبون ولا يطاقون ( فلما تراءت الفئتان ) أي فئة المسلمين والمشركين ( نكص على عقبيه ) أي رجع القهقري ، ومنه قول الشاعر : ليس النكوص على الأعقاب مكرمة * إن المكارم إقدام على الأمل وقول الآخر : وما نفع المستأخرين نكوصهم * ولا ضر أهل السابقات التقدم وقيل معنى نكص هاهنا : بطل كيده وذهب ما خيله ( وقال إني برئ منكم ) أي تبرأ منهم لما رأى أمارات النصر مع المسلمين بإمداد الله لهم بالملائكة ، ثم علل ذلك بقوله ( إني أرى ما لا ترون ) يعني الملائكة ، ثم علل بعلة