الشوكاني

314

فتح القدير

إراءتكم إياهم حال كونهم قليلا ، حتى قال القائل من المسلمين لآخر : أتراهم سبعين ؟ قال : هم نحو المائة ، وقلل المسلمين في أعين المشركين حتى قال قائلهم : إنما هم أكلة جزور ، وكان هذا قبل القتال ، فلما شرعوا فيه كثر الله المسلمين في أعين المشركين ، كما قال في آل عمران - يرونهم مثليهم رأى العين - ، ووجه تقليل المسلمين في أعين المشركين هو أنهم إذا رأوهم قليلا أقدموا على القتال غير خائفين ، ثم يرونهم كثيرا فيفشلون وتكون الدائرة عليهم ، ويحل بهم عذاب الله وسوط عقابه ، واللام في ( ليقضى الله أمرا كان مفعولا ) متعلقة بمحذوف كما سبق مثله قريبا ، وإنما كرره لاختلاف المعلل به ( وإلى الله ترجع الأمور ) كلها يفعل فيها ما يريد ويقضى في شأنها ما يشاء . وقد أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ( إذ يريكهم الله من منامك قليلا ) قال : أراه الله إياهم في منامه قليلا ، فأخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه بذلك فكان ذلك تثبيتا لهم ، وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله ( ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ) يقول : لجبنتم ( ولتنازعتم في الأمر ) قال : لاختلفتم . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ( ولكن الله سلم ) أي أتم وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه ( ولكن الله سلم ) يقول : سلم لهم أمرهم حتى أظهرهم على عدوهم وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن مسعود في قوله ( وإذ يريكموهم ) الآية قال : لقد قلوا في أعيننا يوم بدر حتى قلت لرجل إلى جنبي : تراهم سبعين ؟ قال : لا بل هم مائة ، حتى أخذنا رجلا منهم فسألناه قال : كنا أنفا . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة في الآية قال : حضض بعضهم على بعض . قال ابن كثير : إسناده صحيح . وأخرج ابن إسحاق عن عباد بن عبد الله بن الزبير في قوله ( ليقضى الله أمرا كان مفعولا ) أي ليلف بينهم الحرب للنقمة ممن أراد الانتقام منه ، والإنعام على من أراد النعمة عليه من أهل ولايته . سورة الأنفال الآية ( 45 - 49 ) قوله ( إذا لقيتم فئة ) اللقاء الحرب ، والفئة الجماعة : أي إذا حاربتم جماعة من المشركين ( فاثبتوا ) لهم ولا تجبنوا عنهم ، وهذا لا ينافي الرخصة المتقدمة في قوله - إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة - فإن الأمر بالثبات هو في حال السعة ، والرخصة هي في حال الضرورة . وقد لا يحصل الثبات إلا بالتحرف والتحيز ( واذكروا الله ) أي اذكروا الله عند جزع قلوبكم فإن ذكره يعين على الثبات في الشدائد ، وقيل المعنى : أثبتوا بقلوبكم واذكروا