الشوكاني

309

فتح القدير

سورة الأنفال الآية ( 41 - 42 ) لما أمر الله سبحانه بالقتال بقوله ( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ) وكانت المقاتلة مظنة حصول الغنيمة ذكر حكم الغنيمة والغنيمة قد قدمنا أن أصلها إصابة الغنم من العدو ، ثم استعملت في كل ما يصاب منهم وقد تستعمل في كل ما ينال بسعي ، ومنه قول الشاعر : وقد طوفت في الآفاق حتى * رضيت من الغنيمة بالإياب ومثله قول الآخر : ومطعم الغنم يوم الغنم مطعمه * أني توجه والمحروم محروم وأما معنى الغنيمة في الشرع ، فحكى القرطبي الاتفاق على أن المراد بقوله تعالى ( واعلموا أنما غنمتم من شئ ) مال الكفار إذا ظفر بهم المسلمون على وجه الغلبة والقهر . قال : ولا تقتضي اللغة هذا التخصيص ، ولكن عرف الشرع قيد اللفظ بهذا النوع . وقد ادعى ابن عبد البر الإجماع على أن هذه الآية بعد قوله - يسألونك عن الأنفال - وأن أربعة أخماس الغنيمة مقسومة على الغانمين ، وأن قوله - يسألونك عن الأنفال - نزلت حين تشاجر أهل بدر في غنائم بدر على ما تقدم أول السورة ، وقيل إنها أعني قوله - يسألونك عن الأنفال - محكمة غير منسوخة ، وأن الغنيمة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وليست مقسومة بين الغانمين وكذلك لمن بعده من الأئمة ، حكاه الماوردي عن كثير من المالكية . قالوا : وللإمام أن يخرجها عنهم ، واحتجوا بفتح مكة وقصة حنين وكان أبو عبيدة يقول : افتتح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مكة عنوة ومن على أهلها فردها عليهم ولم يقسمها ولم يجعلها فيئا ، وقد حكى الإجماع جماعة من أهل العلم على أن أربعة أخماس الغنيمة للغانمين ، وممن حكى ذلك ابن المنذر وابن عبد البر والداودي والمازري والقاضي عياض وابن العربي ، والأحاديث الواردة في قسمة الغنيمة بين الغانمين . وكيفيتها كثيرة جدا . قال القرطبي : ولم يقل أحد فيما أعلم أن قوله تعالى - يسألونك عن الأنفال - الآية ناسخ لقوله ( واعلموا أنما غنمتم من شئ ) الآية ، بل قال الجمهور : إن قوله ( واعلموا أنما غنمتم من شئ ) ناسخ ، وهم الذين لا يجوز عليهم التحريف ولا التبديل لكتاب الله . وأما قصة فتح مكة فلا حجة فيها لاختلاف العلماء في فتحها ، قال : وأما قصة حنين فقد عوض الأنصار لما قالوا تعطي الغنائم قريشا وتتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم نفسه ، فقال لهم : أما ترضون أن يرجع الناس بالدنيا وترجعون برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى بيوتكم كما في مسلم وغيره ، وليس لغيره أن يقول هذا القول ، بل ذلك خاص به . قوله ( أنما غنمتم من شئ ) يشمل كل شئ يصدق عليه اسم الغنيمة و ( من شئ ) بيان لما الموصولة ، وقد خصص الإجماع من عموم الآية