الشوكاني

295

فتح القدير

( إذ رميت ) بالحصباء فانهزموا ( ولكن الله رمى ) أي أعانك وأظفرك . والعرب تقول : رمى الله لك : أي أعانك وأظفرك وصنع لك . وقد حكى مثل هذا أبو عبيدة في كتاب المجاز . وقال محمد بن يزيد المبرد : المعنى ( وما رميت ) بقوتك ( إذ رميت ) ولكنك بقوة الله رميت ، وقيل المعنى : إن تلك الرمية بالقبضة من التراب التي رميتها لم ترمها أنت على الحقيقة ، لأنك لو رميتها ما بلغ أثرها إلا ما يبلغه رمى البشر ، ولكنها كانت رمية الله حيث أثرت ذلك الأثر العظيم . فأثبت الرمية لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأن صورتها وجدت منه ، ونفاها عنه لأن أثرها الذي لا يطيقه البشر فعل الله عز وجل فكأن الله فاعل الرمية على الحقيقة . وكأنها لم توجد من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أصلا هكذا في الكشاف . قوله ( وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا ) البلاء ها هنا النعمة ، والمعنى : ولينعم على المؤمنين إنعاما جميلا . واللام متعلقة بمحذوف : أي وللإنعام عليهم بنعمه الجميلة فعل ذلك لا لغيره ، أو الواو عاطفة لما بعدها على علة مقدرة قبلها : أي ولكن الله رمى ليمحق الكافرين وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا ( إن الله سميع عليم ) لدعائهم عليم بأحوالهم ، والإشارة بقوله ذلكم إلى البلاء الحسن ، وهو في محل رفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف : أي الغرض ( ذلكم وأن الله موهن كيد الكافرين ) أي إن الغرض منه سبحانه بما وقع مما حكته الآيات السابقة إبلاء المؤمنين وتوهين كيد الكافرين ، وقيل المشار إليه القتل والرمي . وقد قرئ بتشديد الهاء وتخفيفها مع التنوين . وقرأ الحسن بتخفيف الهاء مع الإضافة . والكيد : المكر ، وقد تقدم بيانه . وقد أخرج البخاري في تاريخه والنسائي وابن أبي حاتم وابن مردويه عن نافع أنه سأل ابن عمر قال : إنا قوم لا نثبت عند قتال عدونا ولا ندري من الفئة أمامنا أو عسكرنا ؟ فقال لي : الفئة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقلت : إن الله يقول ( إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار ) قال : إنما نزلت هذه الآية في أهل بدر لا قبلها ولا بعدها . وأخرج عبد بن حميد وأبو داود والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه وأبو الشيخ والحاكم وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري في قوله ( ومن يولهم يومئذ دبره ) الآية قال : إنها كانت لأهل بدر خاصة . وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم عن عمر بن الخطاب قال : لا تغرنكم هذه الآية فإنما كانت يوم بدر وأنا فئة لكل مسلم . وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس في الآية قال : نزلت في أهل بدر خاصة ما كان لهم أن ينهزموا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويتركوه . وقد روى اختصاص هذه الآية بأهل بدر عن جماعة من التابعين ومن بعدهم . وقد قدمنا الإشارة إلى ذلك . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير في قوله ( إلا متحرفا لقتال ) يعني مستطردا يريد الكرة على المشركين ( أو متحيزا إلى فئة ) يعني أو ينحاز إلى أصحابه من غير هزيمة ( فقد باء بغضب من الله ) يقول : استوجبوا سخطا من الله ( ومأواه جهنم وبئس المصير ) فهذا يوم بدر خاصة كان شديدا على المسلمين يومئذ ليقطع دابر الكافرين وهو أول قتال قاتل المشركين من أهل مكة . وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك قال : المتحرف المتقدم من أصحابه أن يرى عورة من العدو فيصيبها . والمتحيز : الفار إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وكذلك من فر اليوم إلى أميره وأصحابه . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن عطاء بن أبي رباح في قوله ( ومن يولهم يومئذ دبره ) قال : هذه الآية منسوخة بالآية التي في الأنفال - الآن خفف الله عنكم - الآية ، وأخرج سعيد بن منصور وابن سعد وابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والبخاري في الأدب المفرد واللفظ له ، وأبو داود والترمذي وحسنه ، وابن ماجة وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عمر قال : كنا في غزاة فحاص الناس حيصة ، قلنا : كيف نلقى رسول الله صلى الله عليه